فرح اخويا وكشف السر حكايات علي ابو الدهب
أخويا قالي أقعد في آخر القاعة وأمثل إني مش أخته عشان يبهر حماه المستقبلي اللي شغال قاضي فيدرالي، بس أول ما الراجل ده وصل لعندي، اتصدم في مكانه وناداني بلقب سيادتك، وطول العشاء فهموا إنهم خبوا الشخص الغلط.
أخويا قالي إني ممكن أحضر العشاء.. بس مكنش عايزني أحضر بصفتي أخته.
الرسالة بتاعته وصلتني وأنا لسه في مكتبي، بعد ما المحكمة هديت تماماً، وعمال النظافة بدأوا يتحركوا في الممرات الرخام، وكنت بخلص آخر قضية قبل ما أروح. في الأول افتكرتها المناكفات العائلية العادية، تغيير كراسي، تظبيط مواعيد، يعني شوية رخامة اجتماعية متغلفة بكلمة تنسيق.
بعدين قريت الباقي.
كتبلي تقدري تيجي، بس متقوليش إنك أختي.. أبو خطيبتي قاضي فيدرالي، والموضوع هيكون محرج.
الكلمة دي فضلت محفورة على الشاشة كأنها كانت مستنياني عمري كله.
محرج.
بعدها بدقائق، كلمتني أمي بصوتها الناعم الهادي اللي بتستخدمه دايما لما تعوزني أبلع إهانة من غير ما أحرج حد. قالتلي إن هيكون أسهل لو قعدت على ترابيزة صغيرة ورا.. ليلة واحدة بس.. عشان كله يعدي على خير.
على خير لمين؟ مقالتش.
بس أنا كنت عارفة.
دي الطريقة اللي عيلتي ماشية بيها طول عمرها. أخويا بيقدموه بكل فخر، وأنا بيقصوا من حقيقتي عشان أكون سهلة في الشرح. هو كان المستقبل، وأنا كنت التفصيلة اللي لازم يداروها.
ومع كدة، قلتلهم إني جاية.
مش عشان محتاجة رضاهم، الموضوع ده أنا بطلته من زمان. أنا رحت عشان كان عندي فضول أشوف هيوصلوا لحد فين، وإزاي هيقللوا مني لو افتكروا إن الناس المهمة بتتفرج.
اللي محدش فيهم فهمه، إن الراجل اللي هما هيموتوا عشان يبهروا ده، هيعرف كويس قوي أنا مين أول ما يشوف وشي.
أنا اسمي أمل كمال. عندي 39 سنة، والإهانة دايما بيبقى طعمها أمرّ لما تتقدم في شكل ذوق وأدب.
أخويا قضى حياته كلها بيبني نفسه عشان أماكن زي دي. مدارس خاصة، لبس شيك، ثقة غالية. كان بيعرف يضحك بالدرجة المظبوطة، ويسلم بحرارة كأنه مولود للوجاهة، ويتكلم عن شغله بطريقة تخلي أتفه حاجة تبان إنجاز تاريخي.
أهلي فضلوا سنين يلمعوا في الصورة دي. كبّروا طموحه، ولمعوا نجاحاته، وفضلوا يكرروا منصبه لحد ما خلوه أكبر من الحقيقة. لما دخل جامعة كبيرة، اتعاملوا وكأن العيلة أخيراً خلفت حد يستحق الذكر. ولما اشتغل في منصب محترم في العاصمة، كانوا بينطقوا المسمى الوظيفي بتاعه كأنه يستاهل يتكتب بماء الذهب.
أنا بقى، مشيت في طريق تاني. منح دراسية.. دروس ليلية.. قروض عشان أكمل حقوق.. وسهر وشغل مبيخلصش. من غير تشجيع، من غير سند.. شغل وبس.
بنيت حياتي بالطريقة الصعبة، بالالتزام والصمت والتركيز اللي مش بياكل مع صور العيلة المنمقة.
يوم الجمعة بالليل، كنت قررت إني مش هساعدهم في كذبتهم.
السيادة القاضية منى صبري عدت عليا بعد الساعة ستة. بصت لفستاني الأسود، ولجزمتي الهادية، ولملامحي، وقالت الكلمة الوحيدة اللي كانت تهم
كويس.. خليهم يستهونوا بيكي.
النادي كان من نوعية الأماكن اللي أخويا بيعشقها. خشب غامق، أصوات واطية، فضة بتلمع.. فلوس قديمة بتمثل إنها مش محتاجة تتمنظر. من أول ما دخلنا، حسيت بعينه عليا، بيحاول يحسب لو كنت هعرف ألم نفسي وأسكت ولا لأ.
قدمني باسم أمال. وقال إني بساعد في المحكمة.
مقالتش إني أخته. مقالش سيادة القاضية أمل. مقالش أي حاجة تقرب للحقيقة.
أمي سلمت عليا يدوبك بطرف مناخيرها، وخدتني لترابيزة صغيرة في آخر القاعة، جنب باب المطبخ، مكان ما العمال رايحين جايين ومحدش شايفهم.
من مكاني ده، كنت شايفة كل حاجة بوضوح.
أخويا وهو بيبتسم بزيادة..
أبويا وهو بيحاول يبان مهم بزيادة..
وأمي وهي بتراقب القاعة بعينيها عشان تشوف إعجاب الناس..
والراجل اللي كان محور كل ده، أبو خطيبة أخويا، القاضي الفيدرالي اللي الكل بيموت عشان يبهره. كان بيتكلم أقل منهم كلهم، بس كان بيشوف أكتر منهم بكتير.
لما العشاء بدأ، مسك صينية كاسات وبدأ يتحرك في القاعة بنفسه يسلم على الناس ترابيزة ترابيزة. أخويا كان طاير من الفرحة، وكأن الحركة دي هتبقى جزء من تاريخ العيلة المشرف.
فضلت أراقب القاضي وهو بيتنقل، يبتسم هنا، ويقول كلمتين هناك، لحد ما وصل لآخر القاعة.
عندي أنا.
في الأول محدش خد باله. وليه ياخدوا بالهم؟ أنا كنت في المكان اللي هما عايزيني فيه بالظبط ساكتة، بعيدة، ومش باينة.
لحد ما وصل لترابيزتي.
بص في وشي.
واتسمر في مكانه.
مش مجرد وقفة ذوقية، لأ.. ده وقف تماماً.
الصينية مالت في إيده، والكاسات خبطت في بعض. ملامحه اتغيرت تماماً كأنه شاف حد مش مصدق إنه هنا. وقبل ما أي حد على الترابيزة الرئيسية يفهم إيه اللي بيحصل، ساب الصينية، واتعدل في وقفته، وقال بصوت عالي كفاية إنه يسكت القاعة كلها
سيادة القاضية.. مكنتش أعرف إنك هنا!
كل الرؤوس لفت ناحيتنا.
أخويا وشه بقى أبيض زي الورقة.
أمي اتجمدت في مكانها.
ولما قمت من مكاني، القاضي قرب مني خطوة، وهو لسه بيبصلي وكأن الليلة كلها اتقلبت قدام عينيه
أكمل القاضي كلامه وهو بيتقدم ناحيتي بخطوات سريعة كلها احترام،