جوزى طفش ٢
جوزى طفش ٢ نزلت عينيها بسرعة للأرض، وقلبها بيدق زي الطبول من الصدمة، بس العقل اللي اتسبك في نار الشقا والظلم اشتغل في ثواني. أدركت إن أي حركة أو مواجهة دلوقتي هتخليهم يعرفوا إنها كشفتهم، وممكن يأذوها أو يحرموها من التمكين والقانون قبل ما تاخد حقها صح. سحبت الشنط والأطباق بسرعة ورصتهم على التربيزة اللي جنب الباب، وبنبرة هادية ومثلت فيها إنها مجرد شغالة أو دليفري مش واخدة بالها من الوشوش، قالت وهي بتبص في الأرض وموطية رأسها
الأكل كله جاهز ومترتب يا فندم، بالهنا والشفا.. أنا استأذن عشان ورايا أوردرات ثانية. الزوج اتسمر مكانه والدم هرب من وشه، وبص لأمه بذهول ورعب وهو خايف لتكون عرفته، بس الزوجة أدتهم ضهرها بسرعة ونزلت على السلم جري، من غير حتى ما تستنى الأسانسير. دموعها نزلت سخنة على خدها وهي نازلة، بس المرة دي ما كانتش دموع كسرة.. كانت دموع نار بتولع جواها، نار القهرة اللي هتتحول لتخطيط وقوة.
أول ما وصلت الشارع، وقفت تاخد نفسها، ومسكت التليفون بأيدين بتترعش . بعتت رسالة للزوجة الجديدة على الواتساب الخاص بالصفحة بكل هدوء وثبات مساء الخير يا فندم، تم تسليم الأوردر بحمد الله. يا ريت تبعتي باقي الحساب على محفظة الفودافون كاش على الرقم ده، وبالهنا والشفا العزومة. خلال دقائق، رن التليفون بإشعار وصول المبلغ كامل على المحفظة. بصت الزوجة لشاشة التليفون وللتمويل اللي بقوا في إيدها، وابتسمت ابتسامة وجع فيها كبرياء يهد جبال. مسحت دموعها بظهر إيدها، وبصت للشارع وقالت بثبات
طبخت الأكل بإيدي وعرقي عشان تأكل بيه ضيوفك وناسك.. وبكرة بحق كل نقطة عرق وكل لقمة خدتها أمك مني قسوة وظلم، هاخد حقي وحق عيالي منك بالقانون ومن غير ما تلمح طيفنا تاني. ركبت العربية ورجعت بيتها، وهي حاطة خطة جديدة تماماً.. خطة ست مش هتقبل بالكسرة تاني. ثاني يوم الصبح، كانت الزوجة صحيت من الفجر، بس المرة دي ما مسكتش السكينة ولا الخضار.. مسكت ورقة وقلم ورتبت كل تفصيلة عرفتها عنوان الشقة الشيك بالتفصيل، اسم العمارة ورقم الدور، واسم الشركة الجديدة اللي جوزها شغال فيها وعامل العزومة لمديرينها.
نزلت من البيت بهدوء ودخلت مكتب محامي معروف في المنطقة بياخد حقوق الستات المظلومة. قعدت قدامه، وعلى عكس العادة، كانت عينيها ثابتة وما نزلش منها دمعة واحدة. حطت قدامه الورقة ورسالة إشعار تحويل الفودافون كاش من مراته الجديدة، وقالت بصوت هادي كأنه حديد
يا أستاذ، أنا جوزي سابني أنا وعياله سنتين من غير مليم، هرب واتجوز عليا وعامل عزومة لمديرينه في أحدث شقة وفي أرقى مكان.. وعنوانه ومكان شغله الجديد أهو في الورقة دي. أنا مش عايزة منه انتقام ولا قلة أدب.. أنا عايزة حق عيالي بالقانون قضية نفقة زوجية ونفقة صغار بأجر مسكن وبدل فرش وغطاء، ودعوى تمكين من مسكن الزوجية وقبل كل ده طلاق للضرر المحامي بص للورقة ولإشعارات التحويل والتفاصيل الدقيقة اللي جايباها، وابتسم بتقدير
ما شاء الله عليكي.. إنتي جايبة لي القضية متقشرة! العنوان ومكان الشغل الجديد دول هيريحونا جداً في الاستعلام عن دخله الحقيقي، والشركة دي طالما شركة كبيرة، فالتحريات هتثبت مرتبه ومكافآته بالكامل. نرفعلة قضية النفقة فوراً ونطلب تحريات المباحث على الشركة، وفي نفس الوقت نقدم طلب لتمكينك من الشقة أو إلزامه بأجر مسكن محترم يناسب مستواه الجديد.
قامت من عنده وهي حاسة إن ظهرها اتشد.. خرجت من المكتب وطلعت على المدرسة كملت يومها وشغل صفحتها بمنتهى الثبات والذكاء، وهي كتمة السر ومستنية اللحظة اللي المحضر يروح له فيها على مكان شغله الجديد قدام زمايله ومديرينه عشان المحكمة تستعلم عن مرتبه وتحجِز عليه. بعد أيام قليلة، كانت الشؤون القانونية في الشؤون الإدارية بالشركة الجديدة للزوج بتستلم إخطاراً رسمياً من المحكمة، ومعاه مندوب التفتيش والاستعلام عن الدخل والرواتب بناءً على دعوى نفقة وصغار مرفوعة ضد الموظف الجديد.
في وسط صالة المكتب الكبيرة وأمام زمايله ومديرينه الجداد اللي كان لسه عاملهم عزومة ومبين نفسه قصادهم بالواجهة الشيك والمركز المرموق، دخل الموظف المختص وندى عليه باسمه الثلاثي عشان يبلغه بإعلان النفقة وأمر الاستعلام عن مرتبه ومكافآته. الدم اتجمد في عروق الزوج، وشّه اصفرّ وبقى مش عارف يداري خيبته فين، خصوصاً لما المدير الإقليمي استدعاه لمكتبه واستفسر منه بجدية عن القضايا دي وعن الصورة اللي بيصدّرها للشركة. في نفس اليوم بالليل، رن تليفون الحماه في البيت، وكان صوت ابنها طالع زى الرعد من الغيظ والرعب
الحقيني يا أمي! دي رفعت عليا قضية نفقة واستعلام على مرتب الشركة الجديدة، وشوهت صورتي قدام مديري وزمايلي! وعرفت عنواني ومكان شغلي بالمليم.. هي عرفت منين واستدلت عليا إزاي؟! الحمات لطمت على صدرها والذهول أكل قلبها، وبصت ناحية شقة مراته تحت.. شافت النور طالع منها، وصوت الضحك الشريف والستر مالي المكان، وأصوات الأطباق والعلب شغالين بخطى ثابتة ومستقرة. أدركت الحماه في اللحظة دي إن الست اللي كانت فاكراها مكسورة وتتمنى لقمة أو سقف يسترها، ما بقتش هي نفس الست.. وإن السكوت اللي فات ما كانش ضعف ولا عجز، كان هدوء ما قبل العاصفة.
طلعت الحمات السلم وخطواتها بتهز العمارة من الغل، ضربت باب الشقة ب إيدها برعب وغضب وهي بتصرخ بصوت عالي افتحي يا فاجرة! بقى تروحي تعملي محضر وقضبه وتجيبي المحاضر لشغله وتفضحيه قدام ناسه ومديرينه؟! إنتي ناسية إني اوياكى أنتِ وعيالك تحت سقف بيتي ولا إيه؟! فتحت الزوجة الباب بكل ثبات وهدوء. كانت واقفة ماسكة تلفونها في إيدها، وبصت لحماتها ببرود تام ثلج عينها، لا اترعشت ولا نزلت راسها للأرض زي كل مرة.
الحمات اتفاجأت بالنظرة، وسكتت لحظة من هول الثقة اللي في وشها، لكن كملت وهي بتهدد بإيدها والله ما إنتي قاعدة في البيت ده دقيقة واحدة بعد النهاردة! لمي دربكتك وعيالك ويا الشارع يا ببت أبوكي، أما نشوف مين هيستحملك ولا يصرف عليكي! الزوجة ابتسمت ابتسامة خفيفة، ابتسامة حد عرف حقه وخد خطواته صح. قربت منها خطوة واحدة وقالت بنبرة واثقة وهادية هزت أركان السلم
الشارع ده تروحي أنتِ تدوري فيه على مكان.. أنا خلاص اترفع لي قرار تمكين رسمي من مسكن الزوجية بالمحكمة يا حماتي، الشقة دي