طلاق مفاجئ كامله
بعد خمس دقائق فقط من الطلاق، غادرتُ مع طفليَّ بينما كان هو يحتفل بفحص السونار مع عشيقته إلى أن كسر الطبيب الصمت قائلاً
هناك اختلاف في التواريخ فتجمّدت عائلته في أماكنها.
كويس إنك أخيرًا هتمشي في الآخر عمرك ما قدرتي تدي العيلة دي ابن بجد.
سقطت الجملة على الطاولة في اللحظة التي لامست فيها توقيعي آخر ورقة من عقد الطلاق. كانت الساعة تشير إلى العاشرة وثلاث دقائق صباحًا، وصوت ساعة مكتب الوسيط دقّ بدقة قاسية، وكأنه يعلن نهاية شيء ما.
اسمي ليلى منصور. عمري اثنان وثلاثون عامًا، لدي طفلان، وقبل خمس دقائق فقط كنت زوجة كريم الدهبي.
كنت أظن أن تلك اللحظة ستحطمني. تخيّلت دموعًا، انهيارًا، وارتجافًا في يديّ لكنني لم أشعر بشيء. لا غضب لا ألم فقط فراغ ثقيل، كالصمت الذي يلي عاصفة دمّرت كل شيء بينما كنتُ أتظاهر أن البيت لا يزال قائمًا.
كريم لم يُمعن النظر حتى في الأوراق. وقّع بسرعة، كمن يستلم طردًا بلا اهتمام. وما إن وضع القلم، حتى رن هاتفه نفس النغمة التي لم يكن يستخدمها للعمل أبدًا.
أيوه خلصت.
توقّف قليلًا، ثم تغيّر صوته أصبح ناعمًا، حنونًا ومقززًا.
جاي حالًا. النهارده السونار، صح؟ ما تقلقيش يا ريم أمي وأخواتي كلهم رايحين العيادة. النهارده أخيرًا هنتأكد من الولد.
لم يخفض صوته. لم يخرج من المكتب. لم يهتم أنني أمامه ولا أن طفليَّ، عمر وسارة، في الغرفة المجاورة مع محاميتي. نظر إليّ نظرة عابرة، كأنني قطعة أثاث قديمة لم تعد تناسب المكان.
ابنك هو مستقبل العيلة قال في الهاتف. أخيرًا هيبقى عندنا وريث.
دفعت الوسيطة الأوراق الأخيرة نحوه، فهز كتفيه بلا مبالاة.
مفيش حاجة تانية نتكلم فيها قال ببرود. الشقة كانت باسمي قبل الجواز والعربية كمان. والعيال لو ليلى عايزة تاخدهم، أحسن. توفر عليّ وجع الدماغ.
كانت أخته دينا واقفة عند الباب، تبتسم ابتسامة انتصار طالما تدربت عليها.
بالظبط قالت وهي تعقد ذراعيها. أخويا أخيرًا لقى الست اللي هتدي للعيلة اللي تستاهله.
تأملتني باحتقار.
مش واحدة مكسورة ومعاها طفلين ومتعلقة بدور الضحية.
في الماضي، كانت كلمات كهذه ستكسرني أما ذلك الصباح، فقد مرّت كأنها لا تعنيني.
أخرجتُ من حقيبتي مجموعة مفاتيح ووضعتها على الطاولة.
الشقة فاضية قلت بهدوء. مشينا منها امبارح.
ابتسم كريم بسخرية.
معجزة إنك عملتي حاجة صح.
لم أرد. أخرجتُ جوازي سفر بلون أزرق داكن، ووضعتهما بجانب المفاتيح.
أنا مسافرة أنا وعمر وسارة على دبي النهارده. ومش راجعين.
رفع رأسه أخيرًا.
إيه؟
ضحكت دينا بسخرية.
دبي؟ وبفلوس مين؟ ده إنتي كنتِ
الفلوس مش موضوعكم قاطعتها بهدوء.
خارج المكتب، توقفت سيارة سوداء فاخرة. نزل السائق وفتح الباب باحترام.
مدام ليلى، كل حاجة جاهزة.
وقف كريم فجأة، واحتك الكرسي بالأرض.
إيه اللي بيحصل ده؟! قال بغضب. منين لكِ كل ده؟
نظرت إليه بصدق لأول مرة منذ وقت طويل. ولم أشعر إلا بالمسافة بيننا.
قلتلك مش شأنك.
حملت سارة، وأمسكت يد عمر، واتجهت نحو الباب. قبل أن أخرج، التفتّ مرة واحدة فقط.
من النهارده مش هتشيل همّنا تاني قلت. إحنا خرجنا من حياتك.
وغادرت.
بعد دقائق، في طريقي إلى المطار، اهتز هاتفي. رسالة من محاميّ
كلهم وصلوا العيادة وكل حاجة ماشية زي ما اتفقنا.
لم أرد. فقط نظرت من النافذة، أراقب المدينة وهي تصغر خلفي بينما في مكان آخر، كانت عائلة الدهبي تدخل عيادة خاصة، وكأنهم يملكون العالم
دون أن يتخيلوا الصدمة التي كانت في انتظارهم.
لم يكونوا مستعدين أبدًا لما سيحدث
.
كانت ريم تجلس في غرفة الانتظار، ترتدي فستانًا أنيقًا بلون كريمي، مكياجها مثالي، وابتسامة المنتصرة لا تفارق وجهها.
يد الحاجة نادية، والدة كريم، موضوعة فوق يدها وكأنها أعلنتها رسميًا ملكة جديدة للعائلة.
حولهم تجمع الجميع الخالات، الأقارب، أختاه، وحتى ذلك القريب الفضولي الذي لا يغيب أبدًا
الجميع يتحدث عن الطفل وكأنه وُلد بالفعل، دخل مدرسة دولية، واستلم ميراث العائلة.
حفيدي هيبقى قمر قالت الأم بفخر واضح إنه جاي قوي.
وأخيرًا بدم من العيلة تمتمت دينا وهي تعدل علبة هدية جبت له فيتامينات مستوردة لازم الوريث يبقى كامل.
لم يذكرني أحد.
لم يذكروا عمر ولا سارة.
بالنسبة لهم نحن لم نعد موجودين.
عندما نادت الممرضة على ريم، وقف كريم فورًا
أنا هدخل قال بثقة ده ابني.
دخلوا غرفة الفحص.
الضوء خافت
وصوت الجهاز