عاد رجل إلى قريته

لمحة نيوز

يا بني أخوك لم يسرق البيت فقط
ثم انفجرت بالبكاء وهي تضغط على صدرها المرتجف
بل كان يخفي عني رسائلك ويُخبرني أنك نسيتنا، ويخفي عنك رسائلي كلما كتبت إليك طوال تلك السنوات.
في تلك اللحظة
شعر عبد الرحمن وكأن السنوات السبع عشرة كلها انهارت فوق صدره دفعةً واحدة.
كانت تبكي بحرقةٍ حقيقية، ليست دموع امرأة خافت من الشرطة أو من الفضيحة
بل دموع أمّ اكتشفت متأخرة أنها خسرت ابنين معًا.
واحدٌ سرق.
وآخر عاش وحيدًا يظن أن أمّه تخلّت عنه.
أما مصعب
فوقف صامتًا.
لأول مرة منذ سنوات طويلة، بدا عاجزًا عن الكلام.
قال عبد الرحمن بصوتٍ منخفض
يعني كل الرسائل التي كنت أرسلها؟
خفضت الأم رأسها وهي تبكي
كان يقول إنك مشغول وإنك لم تعد تريد الكلام معنا وأنا كنت أكتب لك، والله كنت أكتب لكنه كان يأخذ الرسائل ويقول إنه سيرسلها مع أحد المسافرين.
نظر عبد الرحمن إلى أخيه طويلًا.
ثم سأل
لماذا؟
تحرك مصعب بعصبية وقال
لأنني تعبت! هل هذا يكفيك؟ تعبت وأنا أحمل البيت وحدي!
ضحك عبد الرحمن بمرارة
وحدك؟
وأشار بيده إلى المجلس الواسع والسيارة الجديدة والأثاث الفخم.
هذا كله من تعبك وحدك؟
ارتفع صوت مصعب لأول مرة
نعم! لأنني كنت هنا! أنا الذي تحملت مرض أمي، ومشاكل البيت، والديون، والناس، والجنازات، والأفراح، وكل شيء! أما أنت فكنت ترسل المال آخر الشهر وتنتهي مهمتك!
ساد صمت ثقيل.
حتى الشرطيان تبادلا النظرات بصمت.
لأن جزءًا مما قاله مصعب كان حقيقيًا.
الغربة تتعب صاحبها
لكن البقاء وسط العائلة ليس سهلًا أيضًا.
قال عبد الرحمن بهدوء موجع
وهل كان هذا يعطيك الحق لتسرق أمي؟
صرخ مصعب
لم أسرقها!
ثم أشار بعصبية إلى الجدران
هذا البيت كان سينهار لولا المال الذي أديره! الأرض كانت ستضيع! الناس هنا تأكل الضعيف يا عبد الرحمن، وأنا تعبت حتى بقي اسم أبينا محترمًا!
اقترب عبد الرحمن خطوة.
وقال لأول مرة بصوتٍ قاسٍ
كنت تستطيع أن تقول إنك تعبت لا أن تجعلني غريبًا عن أمي.
هنا فقط
انكسرت نظرة مصعب.
ولأول مرة، خفض عينيه.
أما الأم فجلست تبكي وهي تردد
ضيعتكم بيدي ضيعتكم بيدي
تنهد المحامي وقال بهدوء
يا جماعة، المشكلة الآن ليست الكلام هناك إجراءات رسمية بدأت بالفعل، ومحاولة نقل الملكية موجودة في السجل.
ثم التفت إلى عبد الرحمن
هل تريد إكمال البلاغ؟
نظر عبد الرحمن إلى أخيه طويلًا.
ثم قال
نعم.
شهقت هنادي فورًا.
وقالت بخوف
يا عبد الرحمن، هذا أخوك!
فردّ عليها دون أن ينظر إليها
وأنا أيضًا ابن هذا البيت.
في مساء ذلك اليوم
انتشر الخبر في الحارة كلها.
عبد الرحمن رفع قضية على أخيه.
وفي القرى القريبة من أم درمان، لا تبقى الأسرار داخل البيوت طويلًا.
أصبح الناس يتحدثون في السوق، وفي المسجد، وحتى بعد الصلاة.
بعضهم قال إن عبد الرحمن ظُلم.
وبعضهم رأى أن مصعب أخطأ لكنه ابن البيت الكبير وكان يحاول حماية العائلة بطريقته.
لكن الجميع اتفقوا على شيء واحد
لو وصلت القضية إلى المحكمة
فالعائلة كلها
ستنكسر.
ولهذا، وبعد يومين فقط، حضر إلى عبد الرحمن رجلٌ مسنّ اسمه الحاج عثمان، كان صديقًا قديمًا لوالده.
جلس بجواره بعد صلاة المغرب قرب المسجد.
وقال بهدوء
يا ولدي قبل المحكمة، هناك رجال يريدون جمع الشمل.
ظل عبد الرحمن صامتًا.
فأكمل الحاج عثمان
والدك لو كان حيًا، لما رضي أن ينام ابناه وبينهما شرطة ومحاكم.
رد عبد الرحمن بمرارة
وأبي أيضًا ما كان سيرضى أن يُسرق تعب عمره.
هز الرجل رأسه بتفهم.
ثم قال
صحيح. ولذلك لا أحد يقول إنك مخطئ. لكن في أم درمان، قبل أن يذهب الناس للقاضي يذهبون أولًا لأهل الحكمة.
رفع عبد الرحمن عينيه إليه.
فسأله الحاج عثمان مباشرة
هل تريد حقك أم تريد كسر أخيك؟
صمت طويلًا قبل أن يجيب
أريد أن يعرفوا أنني لست ضعيفًا.
ابتسم الرجل العجوز ابتسامة صغيرة.
وقال
إذن تعال إلى المجلس ودع الرجال يسمعونك.
وفي الليلة التالية
امتلأ بيت الحاج عثمان بالرجال.
سجاد أحمر قديم يغطي الأرض.
أباريق الشاي والقهوة السودانية تدور بين الجالسين.
ورائحة البخور تختلط بصوت المراوح القديمة.
جلس كبار العائلة وأهل الحي في دائرة واسعة.
وكان عبد الرحمن في جهة
ومصعب في الجهة المقابلة.
ومنذ البداية، بدا واضحًا أن مصعب لم يعد يملك تلك الثقة القديمة.
حتى هنادي جلست خلف الباب الداخلي بصمت، وعيناها متورمتان من البكاء.
أما الأم
فجلست في الداخل مع نساء العائلة، تسمع كل شيء وتبكي بصمت.
بدأ الحاج عثمان الكلام بهدوء
نحن اليوم لا نجتمع لنفضح أحدًا بل لنمنع بيت الطيب من الانهيار.
ثم التفت إلى عبد الرحمن
تكلم يا ولدي.
ساد الصمت.
ثم قال عبد الرحمن بهدوء جعل الجميع ينصتون
أنا لم أعد لأخذ مالًا ولا بيتًا ولا أرضًا.

تم نسخ الرابط