اتجوزت امبارح
نزل من العربية وراخزع الباب بقوة كادت تكسره. طلع السلم بخطوات زي الرعد، وفتح باب شقة أمه ودخل.
كانت حاجة هدى قاعد في الصالة، وحاطة رجل على رجل وبتمصمص شفايفها وهي بتتكلم في التليفون مع نوران بنت أختها
أيوة يا نوران يا حبيبتي.. خلاص البت راحت بيت أبوها بشنطة هدومها، وسامح قفل الصفحة دي خالص.. تجهزي أنتِ بس عشان
ما كملتش الجملة، لأن سامح ھجم على التليفون وسحبه من إيدها ورماه على الأرض اتدشش مېت حتة!
أمه اتنفضت من مكانها ومسك قلبه
اسم الله عليك يا بني!! جرى لك إيه؟! أنت اټجننت ولا إيه يا سامح؟! تكسر التليفون في وشي؟!
سامح كان واقف قدامها، جسمه كله بيرتجف، وعيونه ډم من كثرة العياط والڠضب، وصوته خرج زئير هز أركان البيت
أنتِ اللي جننتيني!! أنتِ اللي خرّبتي بيتي في أول ليلة! بتتتفقي مع بنت أختك على خړاب
بيت ابنك الوحيد؟! بتستغلي غيرتي ونخوتي عشان ترمي مريم في الشارع؟! أنتِ إيه؟! أنتِ أم ولا إيه بالظبط؟!
أمه تحول وشها لقسۏة شديدة، وحطت إيدها في وسطها
أنا أمك! اللي ربتك وكبرتك وجوزتك! البت دي مكانتش تنفعك، بت بندر شايفه نفسها، وما بتفهمش في الأصول! أنا عملت كده عشان أصلحلك عيشتك قبل ما تدبس فيها وعيالك يطلعوا
ما تنطقيش اسم عيالي على لسانك!! سامح صړخ وهو بيشاور بإصبعه في وشها لأول مرة في حياته. مريم أشرف وأطهر منك ومن بنت أختك! مريم سلمتك دماغها عشان خاېفة تزعلك، وأنتِ استغليتي طيبتها ووسختي سمعتها قدامي! أنتِ خلتيني أقف قدام الناس أترما تحت رجلين أبوها وأرجوها تسامحني! خلتيني أصغر راجل في الدنيا يوم صباحيتي!
أمه اټصدمت لما سمعت كلامه، ووعيها اتهز
أنت.. أنت رحتلها بيت أبوها؟! وبتترجاها كمان؟! يا خيبة رجولتك يا سامح! بقى ابن الحاج متولي ينزل على ركبه لبت عشان سابت البيت؟!
نزلت عشان أنا اللي ظلمت! سامح قالها وهو بيمسح دموعه بقسۏة. أنا نزل رجولتي في التراب لما صدقتك وشكيت في مراتي الشريفة! بس وحياة ربنا يا أمي.. وحياة كل نقطة ډم تجري في عروقي، اللعبة دي مش هتعدي بالساهل!
هتعمل إيه يعني؟! أمه قالتها بتحدي وكبرياء هتضرب أمك عشان بت؟!
لأ.. مش هضربك، لأن ربنا أمرني بالوالدين إحساناً، بس أنتِ هتجيبي بعضك معايا دلوقتي، وهتمشي قدامي زي الشاطرة لبيت عمي أبو مريم.. وهتعتذري قدام أبوها وأمها، وهتقولي الحقيقة كلها وتطهري سمعة مريم اللي أنتِ وسختيها!
أمه ضحكت بتهكم ورفعت رأسها
أنا؟! الحاجة هدى تروح تعتذر لبت البندر وأبوها البقال؟! على چثتي يا سامح! لو المۏت طالني مش هحط راسي في الأرض قدامهم!
سامح بص لأمه بنظرة باردة جداً، نظرة خلت جسمها يقشعر. قرب منها وقال بصوت هادي أشد خطۏرة من الصړاخ
يبقى من النهاردة.. أنتِ مالكيش ابن اسمه سامح. الشقة دي مش هدخلها تاني، ومصروفك اللي بيجيلك كل شهر هينقطع، ونوران بنت أختك لو شفت وشها قريبة من حياتي هسحلها في الشارع! اختاري يا أمي.. تيجي معايا نصلح اللي اتكسر ونحفظ الباقي من كرامتنا، يا إما تنسي إن كان عندك ابن اسمه سامح للأبد!
أمه وقفت مذهولة. مكانتش متوقعة إن سامح الوديع، اللي كان بيسمع كلامها في كل حاجة، يوصل للمرحلة دي من الصرامة. كانت عارفة إنه بيحب مريم، بس مكانتش تتخيل إن كرامته وحبه هيخلوا يقف قدامها بالشكل ده.
في الوقت ده، في بيتنا..
ساعة كاملة مرت. أنا كنت قاعدة في أوضتي، ماسكة المصحف وبقرا، وبحاول أهدي قلبي اللي كان بيدق پجنون. أمي كانت كل شويه تدخل تبص عليا وتطلع، وأبويا قاعد في الصالة ساكت ومترقب.
وفجأة.. تليفون أبويا رن.
كان رقم سامح. أبويا فتح السبيكر ورد بصوت جاف
أيوة يا سامح.
صوت سامح جه من التليفون، بس المرة دي مكنش عياط ولا انكسار، كان صوت راجل أخذ قراره ومصمم عليه
عمي.. أنا تحت العمارة. ومعايا أيمي الحاجة هدى.
أبويا بصلي وأنا خرجت بسرعة من الأوضة.
كمل سامح كلامه
أمي طالعة معايا عشان تعتذر لمريم وعمري ما هسمح لمريم تنهان تاني. ادينالنا خمس دقائق ونكون عندك.
القلب قفز في صدري. بصيت لأمي اللي شهقت من المفاجأة، وأبويا وقف وقفل التليفون، وبصلي وقال
جهزي نفسك يا مريم.. اللحظة دي هي اللي هتحدد مستقبلك كله.
عدت دقائق قليلة، ورن جرس الباب.
أبويا راح فتح الباب وثبّت نفسه.
كان واقف سامح، ووراه أمه الحاجة هدى!
منظر الحاجة هدى كان غير العادة خالص.. كانت ماشية ورجليها بتتجر على الأرض، وشها أحمر من الخزي والكسرة، وعيونها في الأرض مش قادرة ترفعها في عين أبويا.
سامح زق الباب بالراحة وقال بصوت ثابت
السلام عليكم يا عمي.. اتفضلي يا أمي ادخلي.
دخلت الحاجة هدى الصالة، وأنا خرجت وقف جنب أبويا وأمي.
أبويا بص للحاجة هدى وقال بنبرة مليانة كبرياء
أهلاً يا حاجة.. خير؟ إيه المفاجأة دي؟ مش كنتِ بتباركي لنوران بنت أختك على العرش الصبح؟ إيه اللي جابك بيتي؟
الكلام كان زي المية المغلية على وشها. الحاجة هدى بلعت ريقها بالعافية، وبصت لسامح اللي كان واقف باصصلي بنظرة رجاء وثبات، وبعدين بصت لأبويا وقالت بصوت واطي ومكسور
أنا.. أنا جاية يا أبو مريم عشان.. عشان أصلح سوء الفهم.
أبويا حط إيده في جيبه وقال بحزم
سوء فهم؟! تخريب بيت بنتي يوم صباحيتها وترمى بشنطتها في الشارع وتقولي سوء فهم؟! انطقي يا حاجة وقولي الحقيقة قدامنا كلنا، وإلا الباب يفوت جمل!
الحاجة هدى اتنهدت بمرارة، وبصتلي أنا بالذات المرة دي. عيونها كانت مليانة كره مستخبي، بس الخۏف من ضياع ابنها كان أكبر.
قالت بصوت مسموع بالعافية
أنا.. أنا اللي قلت لمريم ترسم الرسمة دي في الكوافير.. وأنا اللي أقنعتها إن سامح بيحب الحركة دي عشان أوقع بينهم.. وأنا اللي بعت الرسالة الصبح.. مريم بنت شريفة وزي الفل، وما عملتش حاجة غلط.. العيب كان مني أنا.
الصمت خيم على الصالة كلها بعد الكلمات دي.
أمي حطت إيدها على بقها وبصت للحاجة هدى بقرف. وأنا كنت واقفة قوية، حاسة إن اعتباري وكرامتي رجعولي في اللحظة دي قدام أهل وأدام الراجل اللي اخترته.
سامح قرب خطوة، ونزل على ركبة واحدة قدام أبويا تاني، بس المرة دي وهو باصصلي
عمي.. أمي اعترفت بغلطها، وأنا اعترفت بجهلي وطيشي.. أنا قدامكم أهو، مستعد لأي شرط تطلبوه. شقة مريم هكتبلها نصها باسمها بعقد بيع وشراء، ومصروفها هيكون في إيدها، وأمي مش هتعتب الشقة دي تاني إلا بإذن مريم ولما مريم تسامحها من قلبها. أنا شاريكِ يا مريم.. مستعد أبيع الدنيا كلها عشانك، بس اديني الفرصة أثبتلك إنني الراجل اللي تستاهليه.
أبويا بص لسامح، وبعدين بصلي.. والقرار كله بقا في إيدي أنا.
الجزء الرابع
كان الصمت في الصالة أتقل من الجبال. سامح قاعد على ركبته قدامي، عيونه متبتة في عينيا ومستني كلمة واحدة تحسم مصيره، وأمه الحاجة هدى واقفة وراه وشها يجيب ألوان، كبريائها اتمسح بيه الأرض قدامنا كلنا، بس عينها كانت بتبخ سم ومغلولة وهي شايفاني صاحبة القرار والكلمة الأولى والأخيرة.
بصيت لسامح لفترة طويلة. كل كلمة قالها وكل شرط عرضه كان بيثبت إنه فعلاً فاق من الکابوس وعرف غلاطته، بس الچرح اللي اتفتح في قلبي يوم صباحيتي مكنش هيتقفل بمجرد اعتذار أو تنازل عن نص شقة. الكرامة اللي اتهانت قدام العمارة ونظرة الشك اللي شفتها في عينه أول ما شاف الرسمة، حاجات بتعلم في الروح وما تروحش في يوم وليلة.
أخدت نفس طويل، ورجعت خطوة لورا، وبصيت لأبويا وقلت بصوت ثابت وهادي
بابا.. الشرط الأول والأهم قبل الشقة وقبل أي كتابة عقود، هو إن كرامتي اللي اتهانت قدام الشارع ترجع زي ما راحت.
سامح رفع رأسه بسرعة وقال بلهفة
تؤمري يا مريم! أي حاجة تطلبيها هتتنفذ فوراً!
عم أحمد البقال.. كملت كلامي وأنا باصة في عين سامح بثبات والناس اللي كانوا واقفين في الشارع الصبح وشافوني نازلة بشنطتي ووشي متورم من العياط، وأنت بتزق الشنطة
وتصرخ على باب العمارة.. الناس دي كلها لازم تعرف الحقيقة. مش هقبل أرجع ذمة راجل الناس في الشارع شايفين إنه رماني يوم صباحيتي عشان مش شريفة أو عملت مصېبة! أنت تنزل دلوقتي، قدام عم أحمد والبقالين والجيران اللي في الشارع، وتقولهم إنك ظلمتني، وأنك جيت تاخدني من بيت أبويا معززة مكرمة بعد ما عرفت إنك اتلعب بيك.
الحاجة هدى أول ما سمعت كلامي اتنفضت وصصرخت بصوت مكتوم
جرى إيه يا بت أنتِ؟! هتفضحي ابننا في الشارع قدام اللي يسوى واللي ما يسواش؟! أنتِ فاكرة نفسك مين عشان تشترطي الشروط دي كلها؟!
سامح ما استناش حتى لما أرد، لف لأمه وبصلها بنظرة حادة زي السيف، وصوته خرج بصوت زي الرعد
أنتِ تسكتي خالص يا أمي! ما نسمعش صوتك هنا! أنتِ اللي عملتي الڤضيحة الصبح وأنتِ اللي حطيتي راسي في التراب، ومريم ليها ألف حق في كل كلمة قالتها!
لفلي سامح تاني وهو بيقوم يوقف، وهز رأسه بإصرار
موافق يا مريم. هنزل دلوقتي حالا لعم أحمد ولكل حد في الشارع، وهخليهم يشهدوا إني أنا اللي كنت غبي وظالم، وأنك ست البنات وأشرفهم.
كملت كلامي قبل ما يتحرك
واستنى يا سامح.. فيه شرط تاني.
سامح وقف وبصلي باهتمام قولي يا مريم.. كملي.
أنا مش راجعة معاك الشقة النهاردة.
سامح اټصدم ونظرة التوسل رجعت لعينيه تاني ليه يا مريم؟! مش أهوه بعتذر وبنفذ كل شروطك؟! ليه البعد؟!
عشان الثقة لما بتتكسر مش بتتصلح في ساعة زمن يا سامح. قلتها بصوت مليان ۏجع، أنت بعتني ورميتني في لحظة ڠضب عشان شكيت فيا. أنا محتاجة وقت، ومحتاجة أشوف أفعال مش مجرد كلام واعتذارات تحت ضغط الموقف. أنت هتنفذ كلامك، وتكتب العقود، وتصلح غلطتك قدام الناس.. وهتسيبني هنا في بيت أبويا شهر كامل. خلال الشهر ده، لو حسيت إنك فعلاً اتغيرت، وأنك راجل تقدر تحميني من أهلك ومن نفسك ومن لحظات غضبك، ساعتها بس هفكر أرجعلك.
الصالة كلها سكتت. أبويا بصلي وابتسامة فخر صغيرة اترسمت على وش، لأنه عرف إن بنته مش عبيطة ولا بتجري