بعد وفاة والدي
نسيتي نفسك ولا نسيتي مين اللي شايلك وسايبك هنا بعطفه؟طيف مردتش عليا، اكتفت إنها لفت ضهرها وطلعت السلم بخطوات هادية جداً، ومن غير ما تلتفت وراها رمت كلمة واحدة سمعتها كويس بكره تعرف مين اللي ضيف عند التاني يا ابن عمي.. والجميل اللي انت فاكر نفسك رديته، لسه حسابه مفتوح. الكلمة قادت النار في عروقي، وعمت عيني عن أي عقل أو أصل.
دمي غلى لما لقيتها بتديني ضهرها وبتتجاهلني قدام شوق والشغالين، ملحقتش حتى تفكر تلمس أكرة باب أوضتها، طلعت وراها السلم زي المجنون، وشديتها من شعرها بكل غل ونزلت بيها لتحت. رميتها على الأرض بكل قوتي فوقعت عند رجل شوق، جسمها اتخبط في السيراميك وسمعت آهة مكتومة طالعة من بين ضلوعها، لكن حتى الآهة دي مقدرتش تكسر عزة نفسها. وقفت فوق راسها بنهج وصرخت في وشها إنتي مالكيش أي لازمة هنا! فاهمة ولا لأ؟ كل شغل أبوكي وكل قرش دخل جيبك أنا اللي ماسكه بإيدي ومن تعبي، لولايا أنا ووقفتي كان زمانك مرمية في الشارع بتشحتي بعد موت
تة واضحة، ورجعت خصلة من شعرها ورا ودنها وهي بتتفرج عليها كأنها حشرة تحت جزمتها، بينما طيف سندت على الأرض ببطء، ورفعت عيونها ليا، ورغم الألم اللي كان باين في حركة جسمها، عيونها كانت باردة لدرجة تخوّف، وقالتلي بهدوء غريب الشارع أرحم من بيت فيه واحد ناكر للجميل زيك.. بس متستعجلش، اللي رفعك قادر ينزلك لسابع أرض، وساعتها الشارع مش هيقبلك حتى.
كلامها نزل عليا زي البنزين، حسيت إن كبريائي اتهز قدام شوق والشغالين اللي كانوا واقفين يتهامسوا ومصدومين من اللي بيحصل. لفيت وشي للخدم، وعيوني كانت بتطق شرار، وبصوت هز جدران الصالة صرخت فيهم سمعتوا كلكم؟! الست دي من اللحظة دي متعاقبة.. محدش فيكم يجرؤ يدخلها لقمة ولا حتى كباية ماية، تفضل محبوسة في أوضتها لحد ما تيجي راكعة هنا على ركبها، تعتذرلي وتعتذر لشوق هانم وتبوس راسها كمان.. والسامع يبلغ الغايب، اللي هلمح فيكم بس بيقرب من أوضتها أو بيهرّب لها تمرة، هطرده في نفس اللحظة وهرميه في الشارع بشنطة هدومه!
الخدم كلهم نكسوا راسهم في الأرض برعب، مفيش حد فيهم قدر ينطق بحرف ولا يرمش حتى، وكان في عيونهم شفقة واضحة عليها بس خوفهم على لقمة عيشهم خرس لسانهم. شوق قامت وقفت جنب مني بدلال، وحطت إيدها على كتفي بحركة كلها غرور وانتصار، وبصت لطيف اللي كانت لسه واقعة في الأرض وقالت بنبرة مايعة ومستفزة براڤو عليك يا حبيبي، هو ده الصح.
. أصل اللي ما يعرفش مقامه لازم يتربى، والبيت ده خلاص بقى له ست واحدة بس. طيف مقالتش ولا كلمة.. سندت بإيديها الاتنين على الأرض وقامت بالعافية، جسمها كان بيرتعش من التعب والخبطة، بس وقفت صلبة ضهرها، وعدلت هدومها المتبهدلة وهي بتبص في عيني مباشرة من غير ما تنزل رمش، وبعدها سابتنا وطلعت على فوق بخطوات تقيلة، وقفلت باب أوضتها بالمفتاح من جوة بهدوء تام، هدوء حسيت إنه مش هدوء استسلام.. ده هدوء العاصفة اللي هتيجي تبتلعنا كلنا.
فضلت طيف مقفول عليها باب أوضتها، وأنا مسكت إيد شوق وطلعنا لجناحنا، وصوت ضحكتها الرنانة كان مالي أركان القصر كله، بيتردد في الصالة وعلى السلالم كأنه إعلان انتصار. كل ما كنت أسمع ضحكتها، كان قلبي يرفرف من السعادة وأحس إني ملكت الدنيا، نسيت طيف تماماً، ونسيت الإهانة وال،،ض،ر،،ب وكل اللي عملته فيها، العشق كان عاميني لدرجة إني شفت قسوتي رجولة ودفاع عن هيبتي وهيبة الست اللي قلبي اختارها.
كنت فاكر نفسي مسيطر على كل نفس بيخرج في البيت، وفاكر إن ال،،ت،ه،،دي،د والوعيد اللي رميته في وش الخدم لجم لسانهم وخلاهم خاتم في صباعي، لكن مكنتش أعرف إن العمى اللي أنا فيه كان مخبي ورا ضهري حقيقة تانية خالص. طيف مكنتش ساكتة ولا كانت مكسورة زي ما اتوهمت، والخدم اللي كنت متخيل إن ولائهم ليا عشان القرشين اللي بديهملهم، كان أصلهم ووفائهم لعمي الله يرحمه ولبنته اللي كبرت قدام عيونهم وعاملتهم طول عمرها كأهل مش أُجَراء.
من ورا ضهري، كان الكل في ضهر طيف؛ بمجرد ما يدخل الليل ويتقفل باب جناحي أنا وشوق، كانت الخدامة الكبيرة تطلع على طراطيف صوابعها بصينية الأكل الدافية، ومعاها العصير والمية، يدخلوا عندها الأوضة يطمنوا عليها، يمسحوا دموعها ويطبطبوا عليها، وهي تستقبلهم بابتسامة هادية وثبات يحير. مكنتش بتطلب منهم أكل، كانت بتطلب منهم حاجة تانية خالص..
كانت بتخليهم يوصلولها ورق مهم من مكتب أبوها، وتليفون قديم مش متسجل، وحركات وترتيبات كانت بتتم من ورا ضهرى وأنا غرقان في بحر شوق ودلعها، مش داري إن السجادة بتتسحب من تحت رجلي خيط ورا خيط، وإن الهدوء اللي في أوضتها ده مكنش استسلام.. ده كان تخطيط محكم لمصيبة جاية في طريقي.
في الأوضة المقفولة، كانت طيف قاعدة على السرير، ماسكة التليفون القديم اللي دخلتهولها الدادة، وعيونها مفيهاش ذرة دموع، بل فيها نظرة عزم وتصميم للي ناوياله. أول مكالمة عملتها كانت لعمتها؛ الست الكبيرة الصعيدية اللي كلمتها سيف، حكتلها بكل هدوء عن كل اللي حصل الإهانة، وال،،ض،ر،،ب، وطرد صاحبتها، وجوازتي من شوق وعيشتها في قلب بيتها. عمتها