اخد الحق حرفه حكايات علي ابو الدهب

لمحة نيوز

شفت أخت جوزي وهي راكبة عربيتي الـ (SUV) وماشية بيها قدام ولادي، والبرنس جوزي بكل بجاحة بيقولي: “ما تكبريش الموضوع، هي محتاجاها أكتر منك”. لا عيطت ولا صرخت، أنا بس أخدت قرار واحد هدّ المعبد كله فوق دماغه.

​العربية دي ما جاتش من شقى “إبراهيم”، دي كانت بفلوس ورثي من جدتي؛ الست الصعيدية اللي سابت لي قرشين ووصية واحدة: “إياكي تسمحي لمخلوق يحسسك إنك قليلة”. العربية كانت باسمي، والتأمين باسمي، بس إبراهيم كان فاكر إن أي حاجة في البيت ده ملكه.. بوضع اليد، بطول اللسان، أو بالغرور اللي مالي قلبه.

​بص في موبايله وهو بيقولي ببرود كأنه بيتكلم عن حالة الجو:

— “هناء محتاجة العربية أكتر، إنتي كدة كدة مابتخرجيش”.

— “بس دي عربيتي”.

ضحك بتريقة وقال:

— “والبيت ده كمان هوسك وإنتي قاعدة فيه بفلوسي ومصاريفي.. ما تعمليش دراما على خيبة خايبة”.

​ما ردتش عليه. لميت الطباق، ومسحت بوق “ياسين”، وظبطت توكة “ليلى”، وفضلت أتحرك في المطبخ بهدوء غريب. من جوه ما كنتش مكسورة، أنا كنت “فقت”.

​”هناء” أخت جوزي بقالها سنين عايشة على قفانا. بدأت بمحل شنط قفل بعد 6 شهور، وبعدين مشروع تجميل أونلاين قلب بديون، وبعدها قروض وحالات طوارئ وهمية ومصايب نص الليل. دايماً كان فيه سبب عشان نساعدها، ودايماً كان فيه فلوس عشان تنقذها.. والفلوس دي غالباً كانت بتتسحب من ورثي ومن حياتنا من غير ما أعرف.

​أول ما “إبراهيم” نزل مكتبه، كلمت جارتي “هبة” تخلي بالها من الولاد 40 دقيقة. لبست بليزر شيك، وطلعت ملف من الدرج اللي تحت، ورحت لمكتب توثيق عقاري. الملف ده كان فيه عقود البيت: بيت في أرقى منطقة في المدينة، أبويا كان واهبه لي قبل جوازي بـ 3 سنين، ومسجل باسمي “ملك خاص”.

​لا عيطت، ولا كلمت “هناء”، ولا عاتبت حد. قعدت قدام الموثق، أخدت نفس طويل وقلت:

— “عايزة أبدأ إجراءات بيع البيت ده.. النهاردة”.

​يومها بالليل، وإبراهيم داخل البيت، لقى واحدة بتصور الصالون والجنينة والسفرة، وقف مذهول عند الباب:

— “إيه اللي بيحصل هنا ده؟”

​الست ردت عليه بكل ذوق:

— “أهلاً يا فندم، أنا بجهز ملف العقار عشان نعرضه للبيع”.

​لون وش إبراهيم خطف، وبصلي برعب:

— “مريم.. قولي للست دي تمشي حالاً”.

​بصيت في عينه لأول مرة من سنين من غير خوف ولا قلق:

— “لأ.. أنا اللي هقعد أتفرج عليك وإنت بتستوعب اللي عملته”.

​أصعب حاجة عليه ما كانتش الست اللي بتصور البيت، أصعب حاجة كانت نظرة عيني اللي فهمته إني مش هترجاه تاني أبداً.

​اللي إبراهيم لسه ما يعرفوش.. إن بيع البيت كان مجرد “المقبلات”، وإن اللي جاي في الطريق هيخليه يخسر كل حاجة.

​تفتكروا إيه اللي حصل بعد كدة؟

ليلتها “إبراهيم” ما كالش لقمة. فضل رايح جاي في الصالة زي المجنون اللي اكتشف فجأة إن الأرض اللي واقف عليها بتهتز. كنت بلم لبس الولاد في الأوضة لما دخل عليا بوش “الهدوء المزيف” اللي بيستعمله دايماً قبل ما يضحك على عقلي.

​— “كلمت هناء”، قالها وهو بيحاول يبان هادي، “بكرة هترجع لك العربية والموضوع العبيط ده يخلص”.

— “ما فيش حاجة خلصت يا إبراهيم”.

— “يا مريم أرجوكي، هتخربي بيتك وتشتتي عيلة عشان شوية عصبية؟”

​ضحكت ضحكة ناشفة وقلت له:

— “لأ يا إبراهيم، اللي بيخرب البيت ده مش ردي فعلي.. اللي بيخربه هو إنك بقالك سنين بتتعامل معايا كأني شغالة في بيتك، بتقرر مكاني وتتصرف في ممتلكاتي”.

​حاول يقاطعني، بس رفعت إيدي وسكتّه:

— “لأ.. المرة دي إنت اللي هتسمع. فاكر كل مرة كنت بتقلل فيها من تعبي؟ فاكر لما كنت بتعتبر تربية الولاد وتدبير البيت ومذاكرتهم وتعبهم ومواعيدهم دي حاجات مالهاش لازمة؟ فاكر لما سيبت شغلي في الديكور أول ما ليلى اتولدت عشان ده كان اتفاقنا؟”

​كملت وكلامي زي الر,,صاص:

— “فاكر توضيب المطبخ اللي اتدفع من فلوسي أنا، وإنت كنت بتقول قدام صحابك ‘ده المطبخ اللي أنا عملتهولها’؟ طب فاكر الـ 120 ألف جنيه اللي اختفوا من حساب الادخار واكتشفت بعدها إنهم راحوا لمشروع أختك الفاشل؟”

​لأول مرة، إبراهيم ملقاش كلمة يرد بيها.

​تاني يوم الصبح، “هناء” جت قدام البيت لابسة نضارة شمس كبيرة وكعب عالي، والغرور لسه بينط من عينيها. ركنت العربية ودخلت البيت من غير ما تخبط حتى.

​— “إيه الأوفر اللي إنتِ فيه ده!”، قالتها بتناكة، “أخويا كان بس عايز يساعدني”.

— “يساعدك بحاجة مش ملكه يا هناء”.

​حطت المفاتيح على الرخامة وما اتحركتش:

— “بجد هتبيعي البيت؟ عشان حتة عربية؟”

​إبراهيم ظهر وراها، وشه كان مخطوف، شعره منكوش، وباين عليه الانكسار بشكل عمري ما شفته قبل كدة.

تم نسخ الرابط