اخد الحق حرفه حكايات علي ابو الدهب
— “مريم.. أبوس إيدك.. بلاش تبيعي البيت”.
ما ردتش عليهم في وقتها. حطيت فطار الولاد، وسقيتهم، وبعتهم يغسلوا إيديهم. بعدها قعدت وربعت إيدي وبصيت لهم هم الاتنين ببرود:
— “الموضوع مش موضوع عربية.. الموضوع موضوع كل حاجة”.
طلعت نسخة من عقود البيت وحطيتها على التربيزة، وبعدها ملف تاني خالص: كشوف حسابات، تحويلات بنكية، سكرين شوت لمكالمات، وعمليات سحب حصلت من ورايا. كنت سهرانية طول الليل بجمع كل “الخيانة” دي بتركيز مخيف.
هناء وشها جاب ألوان:
— “إيه ده؟”
— “دي لستة بكل قرش أخوكي سرقه من ميزانية العيلة دي عشان يحل لك مشاكلك”.
إبراهيم اتجمد مكانه، وأنا كملت:
— “وكمان كلمت محامية. لو بعت البيت، مفيش قوة تمنعني. ولو بدأت إجراءات قضائية عشان أفصل حساباتي وأراجع كل مليم اتصرف من ورايا، برضه مش هتقدر توقفني”.
هناء ضحكت ضحكة عصبية:
— “يا شيخة كبري دماغك، مش هتوصل للدرجة دي يعني”.
وقتها فتحت الملف الأخير. والورقة اللي كانت فيه هي اللي قطعت النفس في المطبخ: طلب توظيف ممضي مني عشان أرجع أشتغل في مكتب ديكور كبير، ومعاه عرض إيجار شقة قريبة من مدرسة الولاد لو قررت أسيب البيت ده حالاً.
إبراهيم بص لي كأنه أول مرة يشوفني:
— “إنتِ فكرتي تسيبيني؟”
— “لأ يا إبراهيم.. أنا فكرت أبطل أختفي وأمحي نفسي عشانكم”.
هناء حاولت تتكلم، بس إبراهيم سكتها بحركة إيد حادة. وهنا كانت المفاجأة اللي محدش توقعها: لأول مرة ما دافعش عنها. لأول مرة فهم إن المشكلة مش في أخته.. المشكلة فيه هو.
رمى نفسه على الكرسي، وخبى وشه بين إيديه، وقال بصوت مكسور:
— “أعمل إيه عشان ما تديش الضربة القاضية لبيتنا؟”
بصيت له من غير ما رمش يطرف لي:
— “ده يعتمد على حاجة واحدة.. إنت فعلاً عايز تنقذنا إحنا؟ ولا بس عايز تنقذ البيت؟”
ولما رفع عينه وبص لي، شفت فيهم نظرة أكدت لي إن لسه فيه حقيقة أصعب بكتير جاية في الطريق.
تفتكروا إيه الحقيقة اللي مخبيها إبراهيم؟ وهل مريم هتسامحه فعلاً؟
إبراهيم فضل باصص للأرض، وصوته كان طالع بالعافية وهو بيقول:
— “البيت مديون يا مريم.. البيت عليه قرض بضمان “وصل أمانة” أنا مضيت عليه عشان أسدد ديون هناء الأخيرة في البنك”.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. البيت اللي هو ملكي، واللي هو “أماني” وأمان ولادي، إبراهيم استغل توكيل عام كنت عاملاه له من سنين عشان “يغرقنا” في ديون أخته.
هناء أول ما سمعت الجملة دي، لمت شنطتها وحاولت تتسحب وتخرج من المطبخ، بس وقفتها بصوتي:
— “لو خطيتي خطوة واحدة بره البيت ده، هحبسك يا هناء. والوصل اللي أخوكي مضاه، إنتي اللي هتدفعيه من ميراثك في أرض أبوكي اللي كنتي مخبياها علينا”.
هناء اتصدمت إنني عرفت موضوع “الأرض”، وإبراهيم رفع راسه بذهول. كملت كلامي بكل قوة:
— “كنتوا فاكرين إنني نايمة على وداني؟ أنا عارفة إن عندك أرض في البلد ورافضة تبيعيها وبتاخدي مننا إحنا. يا تكتبي تنازل عن نصيبك في الأرض دي لإبراهيم يسدد بيه دين البيت، يا إما البلاغ اللي المحامية جهزته هيتقدم النهاردة بتهمة النصب واستغلال التوكيل”.
هناء فضلت تعيط وتصوت، وإبراهيم كان بيبص لها بنظرة “قرف” لأول مرة في حياته. عرف إنها كانت بتستنزفه وهي عندها اللي يسد ديونها. في لحظتها، وتحت التهديد، هناء مضت على “إقرار” بالتنازل عن نصيبها لسداد القرض.
بعد ما هناء غارت من البيت..
إبراهيم جه يقرب مني وهو بيترعش:
— “مريم.. أنا عارف إني غلطت، بس أنا عملت كدة عشان أحميها، كنت فاكر إنني بستر عليها”.
— “واللي يستر على حد يفضح مراته وولاده؟ اللي يحمي أخته يرمي مراته في الشارع؟”
طلعت له الورقة الأخيرة.. ورقة “الطلاق”.
— “أنا مش هبيع البيت يا إبراهيم، لأن هناء هتدفع القرض. بس أنا هطلقك. التوكيل اتلغى، والبيت ده هيفضل ليا ولولادي، وإنت هتخرج منه بشنطة هدومك وبس”.
إبراهيم انهار، وفضل يترجاني عشان خاطر الولاد، بس أنا كنت أخدت قراري:
— “الولاد هيشوفوك في الويك إند، وهتفضل تصرف عليهم وتدفع مصاريف مدرستهم من مرتبك اللي كان بيروح لهناء. أنا رجعت شغلي، وقررت إني مش هكون “زيادة عدد” في حياة حد تاني”.
النهاية..
بعد ست شهور، مريم رجعت واحدة من أهم مصممات الديكور في شركتها. البيت بقى كله طاقة إيجابية ونظيفة. إبراهيم لسه بيحاول يرجع لها، بس مريم قفلت الباب ده تماماً؛ لأنها اتعلمت إن “اللي بيسمح لغيره يكسر أمانه، ما يستحقش يعيش فيه”.
أما هناء، فاضطرت تبيع أرضها وتعيش على قدها، وعرفت إن “السيارة” اللي أخدتها بالعافية، كانت أغلى عربية ركبتها في حياتها.. لأنها كلفتها أخوها وعيلتها كلها.
تمت.