لمدة تلات سنين الجزء الاول بقلم روماني مكرم

لمحة نيوز

العلامة السوداء كانت بتتحرك تحت جلدي، كأنها كائن حي بيدور على مكان يستقر فيه.
فجأة، حسيت ببرودة شديدة ورا ضهري.. لفيت، لقيت أشرف واقف!
لأ، مش أشرف العجوز اللي انكمش، ده أشرف العريس اللي اتجوزته من تلات سنين.. لابس بدلته وشكله هادي ومبتسم.
قرب مني ومد إيده، وقال بصوت حنين يقطع القلب
شوفتي يا حبيبتي؟ كنت خايف عليكي من اللحظة دي.. كنت مانع نفسي عنك عشان اللعنة متتنقلش ليكي، عشان تفضلي بعيدة عن سجن سيد البيت.. بس إنتي اللي استعجلتي نصيبك.
صرخت فيه إنت م..يت! أنا شوفتك بتموت قدامي!
ضحك بهدوء وقال
اللي زينا مابيموتش يا نورا.. إحنا بنتبدل.. ودلوقتي، بما إن الخاتم بقى جواكي، أنا بقيت خادمك.. والبيت اللي اتهد ده، هيبني نفسه تاني في مكان جديد، وباسم جديد.. وإنتي اللي هتختاري الضحية الجاية عشان العهد يفضل مستمر.
حسيت بجسمي بيتقل، وعيني بدأت تغيم.. وفجأة، لقيت نفسي واقفة قدام مراية كبيرة.
المراية ماكنتش في الجنينة، دي كانت في أوضة نوم شيك جداً، في شقة جديدة معرفهاش!
بصيت في المراية، لقيت شكلي اتغير.. بقيت أجمل بكتير، وعيوني فيها لمعة غريبة مش مريحة.
وعلى السرير ورايا، كان فيه شاب نايم بعمق.. شاب معرفوش، بس شكله غني ووسيم.
لقيت إيدي لوحدها بتمتد وتلمس شعره، وسمعت صوتي طالع برقة مرعبة
اصحى يا حبيبي.. الفجر شقشق.. واليوم ده هو أول يوم في عمرنا مع بعض.
الشاب فتح عينه وبصلي بابتسامة حب وقال
أنا مش مصدق إني اتجوزتك يا نورا.. إنتي فعلاً ملاك.
ابتسمت له وأنا حاسة ب الخاتم تحت جلدي بيقرصني بفرحة.. وفهمت إن اللعنة مش بس في المكان، اللعنة في الدم اللي بيجري في عروقي دلوقتي.
في اللحظة دي، جرس الباب رن.
قمت أفتح، ولقيت واحدة ست واقفة، لابسة أسود في أسود، وشها متغطي بطرحة.. رفعت الطرحة، ولقيت الحاجة تيريزا واقفة قدامي بكامل صحتها وشبابها!
قالتلي ببرود
مبروك يا ست البيت.. الضيوف مستنيين بره عشان يقدموا الولاء للعروسة الجديدة.
فتحت الباب والحاجة تيريزا دخلت بخطوات واثقة، كأنها هي صاحبة البيت مش أنا. البيت الجديد كان ريحته ورد مجفف بس تحت الريحة دي كان فيه نفحة عفن مابتفارقش مناخيري.
بصيت لها برعب وقلت بصوت واطي عشان العريس اللي جوه ميسماعهوش
إنتي إيه اللي جابك؟ إنتي موتي.. أنا شوفتك بتتحللي قدام عيني!
ضحكت ببرود وهي بتعدل طرحتها قدام المراية
الموت ده للناس الغلابة يا نورا.. إحنا حراس، والحارس بيفضل عايش طول ما الأمانة موجودة. والأمانة دلوقتي بقت في كفك.. مبروك يا ست الهانم، بقيتي واحدة مننا.
في اللحظة دي، العريس خرج من الأوضة وهو لابس روب شيك ومبتسم، قرب من الحاجة تيريزا وباس إيدها وقال بمنتهى الأدب
أهلاً يا داية.. نورتي بيتنا الجديد. نورا كانت لسه بتحكيلي عنك وعن خيرك.
الداية؟ هما مفهمينه إنها الست اللي ولدتني وملازماني؟
أدركت في اللحظة دي إن الشبكة اللي بتتبني حواليا أقوى بكتير من اللي كانت حوالين أشرف. أشرف كان مجرد خادم، لكن أنا دلوقتي بقيت السنتر أو المركز اللي اللعنة بتلف حواليه.
تيريزا بصتلي وعينيها لمعت بوميض أحمر خافت وقالت
يلا يا نورا.. الضيوف مستنيين في الصالون عشان كتب الكتاب الروحاني.. لازم تمضي على العقد الجديد بد..مك، عشان العريس يفضل مأمن لك.
دخلت الصالون، لقيت ناس غريبة.. لابسين هدوم غالية جداً، بس وجوههم باهتة وكأنهم تماثيل شمع. كلهم قاموا وقفوا أول ما دخلت، وبدأوا يهمسوا بصوت واحد
عاشت العروسة.. عاشت حاملة الوعاء.
لقيت على الترابيزة دفتر جلده من جلد بشري قديم، وجنبه ريشة سودة. أشرف العريس الجديد مسك إيدي بحنان وقال
امضي يا حبيبتي.. عشان نفضل مع بعض للأبد، ومفيش قوة تفرقنا.
قربت من الدفتر، وحسيت بالخاتم اللي تحت جلدي بيصرخ من الفرحة.. كأنه بيشد إيدي للورقة. بس فجأة، سمعت صوت خبط عنيف على شباك الصالون!
بصيت، لقيت هناء واقفة بره، وشها كله جروح ودم، وماسكة في إيدها مصحف وصليب صغير، وبتصرخ بصوت مكتوم ورا القزاز
متصديش يا نورا! لو مضيتي، روحك هتتحبس في البيت ده للأبد.. البيت ده هو قبرك!
الحاجة تيريزا وشها اتغير وبقى مرعب، وزقتني ناحية الدفتر وهي بتزعق
امضي بسرعة! ليلة الوفاء بدأت.. القربان لازم يكمل!
بصيت للعريس، وفجأة ملامحه وقعت.. جلده بدأ يسيل على وشه، وعيونه وسعت وبقى شكل سيد البيت الحقيقي بيظهر من تحت القناع.
مسكت الريشة، وإيدي بتترعش.. كنت بين نارين أمضي وأعيش ملكة في مملكة الجن واللعنة، ولا أقاوم وأواجه مصير مجهول ممكن ينهي حياتي وحياة هناء؟
حكايات رومانى مكرم
الريشة في إيدي كانت تقيلة كأنها غصن شجر مسموم، والحبر الأسود اللي فيها كان بيغلي كأنه مستني لمسة الورق عشان يحبس روحي للأبد. بصيت ل هناء ورا القزاز، عينيها كانت بتقولي لسه فيه فرصة، وبصيت ل تيريزا اللي ملامحها بقت زي جلد تعبان قديم، وللعريس اللي وشه بيسيل زي الشمع المنصهر.
في اللحظة دي، الخاتم اللي تحت جلدي بدأ ينبض بقوة خلت كفي كله يتنفض.
تيريزا صرخت بصوت يهز الحيطان
امضي يا نورا! العهد أقوى من صرخات الضعفاء.. امضي عشان تعيشي!
قربت الريشة من الورقة، وفي اللحظة اللي السن لمس فيها الجلد البشري بتاع الدفتر، محطتش توقيعي..
بدل ما أمضي، غرزت الريشة في كفي بالظبط مكان علامة الخاتم السوداء!
صرخت من الوجع، بس الصرخة اللي طلعت مني ماكنتش صوتي.. كانت صرخة سيد البيت وهو بيتحرق جوه دمي.
الدم الصافي بتاعي اختلط بالحبر الأسود، وفجأة الدفتر كله ولع نار زرقاء باردة، وتيريزا رجعت لورا وهي بتتحول لرماد وهي بتصوت
خنتي العهد يا نورا! خنتي العهد وهتدفعي الثمن من عمرك!
البيت كله بدأ يدوب.. الصالون الشيك، العريس الوسيم، الضيوف اللي زي التماثيل.. كله اتبخر زي دخان سيجارة في الهوا.
لقيت نفسي فجأة واقفة في خرابة وسط ضواحي القاهرة، في عز الفجر، والمطر لسه بينقط خفيف.
هناء كانت واقفة قدامي، وشها شاحب بس فيه مسحة راحة.
قربت مني وبصت لكفي.. العلامة السوداء كانت اختفت، وحل مكانها ندبة بيضاء على شكل دايرة مكسورة.
قالتلي بصوت واطي
إنتي حرقتي البيت يا نورا.. بس اللعنة مابتخلصش بالسهولة دي. إنتي كسرتي السلسلة، بس الحلقات لسه موجودة في الأرض.. ومستنية حد تاني يلبس الخاتم.
قلت لها وأنا بمسح دموعي أشرف.. وتيريزا.. والناس دي راحت فين؟
هناء بصت للأنقاض وقالت بمرارة
هما أصلاً ماكنوش موجودين من سنين.. دول كانوا خيلات صنعها الخاتم عشان يجرجرك للمصيدة. إنتي كنتي عايشة تلات سنين مع أشباح يا نورا.. وتوفيق الحقيقي مات من زمان وهو بيحاول يعمل اللي إنتي عملتيه.
مشيت مع هناء في الشارع الفاضي، والناس بدأت تصحى تروح أشغالها.. مفيش حد عارف إن فيه حرب كانت دايرة بالليل عشان روح إنسانة.
رجعت لبيت أهلي، وأمي أول ما شافتني صرخت وحضنتني
يا بنتي كنتي فين؟ بقالك أسبوع مختفية والبوليس بيدور عليكي في كل حتة.. ومن يوم ما أشرف والبيت بتاعه اختفوا فجأة ومحدش عارفلهم طريق!
أسبوع؟ أنا كنت فاكرة إني بقالي سنين!
دخلت أوضتي، وبصيت في المراية.. كنت لسه نورا اللي عندها 27 سنة، بس في عيني نظرة واحدة عاشت مية سنة رعب.
فتحت الشنطة بتاعتي عشان أطلع الموبايل..
ووقعت منها ورقة مطوية.
فتحتها وإيدي بترحش، لقيت مكتوب فيها بخط أشرف الهادي والجميل
نورا.. العهد أُجل ولم يُلغَ.. الساكن الجديد في البيت اللي جنبكم عريس لقطة.. خدي بالك من جيرانك.
بصيت من الشباك على البيت اللي جنبنا.. لقيت عربية نقل عفش بتنزل كراسي صالون مذهب شيك جداً، وشاب وسيم واقف بيدي أوامر للعمال.. وبص ناحية شباكي وابتسم ابتسامة مألوفة جداً!
الحكمة الشر مابيموتش.. الشر بس بيغير عنوانه.. وأحياناً بيلبس وشوش ملايكة عشان يدخل بيوتنا من غير استئذان. خافوا من اللي ملوش زي.. لأن اللي ملوش زي، غالباً ملوش أصل.

تم نسخ الرابط