حكايات زهرة الربيع 1
بإيدي خرجنا من باب الشقة، والناس في العمارة كانوا واقفين على السلالم بيسمعوا الفضيحة. أمي كانت رافعة راسها للسماء، وأول ما ركبنا العربية، سكتت تماماً.
كنت فاكراها هتعيط، أو تنهار بعد السنين دي كلها.. بس هي فتحت شنطتها، طلعت الكوفية الصوف اللي كانت عملاها لأبويا ورفضها، وفكت الخيط الأخير منها، ورمت بكرة الصوف من شباك العربية وهي بتقول
دلوقتي بس، الخيط فك يا أمنية.. والوجع خلص.
لكن اللي حصل في ال 24 ساعة اللي بعد كدة، كان أغرب من الخيال، لأن عبد السميع مكنش هيسكت، ومدام إسعاد قررت تلعب آخر كارت معاها..
تابعو صفحه رومانى مكرم
ما لحقناش نرتاح في شقتي الصغيرة اللي أجرتها في القاهرة، تليفوني ميسكتش، وصور عيد ميلاد أمي بقت تريند في الحارة وفي مصلحة أبويا. الكل بيتكلم عن الست هدى اللي صبرت وخططت ونفذت.
تاني يوم الصبح، وبالتحديد الساعة 10، لقيت خالي بيتصل بيا وصوته مخنوق يا أمنية، الحقي أمك.. عبد السميع جاب بلطجية وواقف قدام الشقة، ورافض يخرج، وبيقول اللي عنده عقد يروح يبله ويشرب ميته، والست إسعاد وبناتها لموا عليه الناس وصوتهم جايب آخر الشارع.
أمي سمعت المكالمة، متهزتش. لبست عبايتها السوداء وطرحتها بوقار مرعب وقالتلي
جهزي ورقك يا حضرة المحامية، النهاردة هنقفل الدفاتر القديمة ونفتح الدفاتر الجديدة.
وصلنا الحارة، ولقينا المنظر ميتوصفش. أبويا واقف بقميص البيت، وعرقان، وشكله بقى أكبر بعشر سنين، وماسك شومة في إيده وقدامه تلاتة من أصحاب السوابق، وإسعاد واقفة وراه بتعيط وتندب حظها وتقول للجيران شوفتوا الست اللي كنا فاكرينها طيبة؟ عاوزة ترمي راجل في سنه ده في الشارع وتيتم بناتي!
أمي مشيت وسط الناس، والكل وسع لها طريق وكأنها ملكة. وقفت قدام أبويا وبصت له من فوق لتحت وقالتله
الشومة دي مابترهبش حد يا عبد السميع.. إنت عارف إنك خسران، والناس دي مش هتنفعك لما البوكس ييجي.
أبويا صرخ فيها الشقة دي شقتي، والورق اللي معاكي ده ورق صوري، أنا اللي دافع تمنها، وإنتي مكنتيش بتملكي مليم!
هنا أنا طلعت من شنطتي لابتوب وفتحته قدام الكل، وشغلت تسجيل صوتي كان مسجله نظام الأمان اللي ركبته أمي في أوضتها من سنتين تحت مسمى منبه.
صوت أبويا كان واضح وهو بيقول لأمي في ليلة هادية
يا هدى، الشقة دي بقيتي صاحبتها رسمياً، والمحلين كمان، اعتبريهم مهرك الجديد وتقدير مني ليكي ولصبرك معايا، أنا عارف إني مقصر بس إنتي الأمان أبويا لما سمع صوته، الشومة وقعت من إيده. أمي كملت وقالت بصوت مسموع للكل
أنا مكنتش بحوش فلوسك يا عبد السميع، أنا كنت بحوش فضايحك. إنت ناسي إنك كنت بتمضي على وصولات أمانة لمدام إسعاد عشان تضمن إنها متسيبكش؟ الوصولات دي دلوقتي بقت في إيد المطالبة القضائية لأني اشتريت الديون دي من التاجر اللي كانت بتمضي عنده.
إسعاد وشها جاب ألوان وصوتت ديون إيه؟ أنا مديونة لمين؟
أمي بصت لها بقرف وقالت مديونة للعمر اللي سرقتيه مني. السنين اللي كنتي بتاخدي فيها فلوس منه باسم تجهيز البنات، كنتي بتمضي فيها وصولات أمانة على بياض عشان تضمني إنه ميرجعش في كلامه.. والتاجر اللي كنتي بتتعاملي معاه يبقى ابن خالي، والورق كله معايا.
في لحظة، الموازين اتقلبت. البلطجية لما عرفوا إن الموضوع فيه شرطة ووصولات أمانة وقضايا كسب غير مشروع، انسحبوا واحد ورا التاني.
أمي قربت من باب الشقة، طلعت المفتاح، وفتحت القفل بمنتهى الهدوء. لفت لأبويا وقالتله
قدامك ساعة يا عبد السميع. تاخد إسعاد وعيالها، وتطلعوا من هنا بشنط هدومكم بس. المحلات والشقق والذكرى اللي كانت هنا، بقت ملكي. ولو فكرت تهوب ناحية العمارة دي تاني، البلاغ اللي قدمته أمنية الصبح في النيابة الإدارية عن تضخم ثروتك هيتحرك فوراً.
أبويا بص لإسعاد، اللي كانت بتبصله بغل دلوقت بعد ما عرفت إن كل اللي حيلته راح، وبدأت تشتمه وتلومه إنه مأمنش نفسها بعيد عن هدى.
أمي دخلت شقتها، وقفت في الصالة اللي كانت لسه ريحتها بخور من حفلة مبارح. بصت لصورة جوازهم المتعلقة على الحيطة، ومسكت السكينة اللي كانت بتقطع بيها الخضار بانتظام.. وبدل ما تقطع الخضار، قطعت الصورة نصين.
يا أمنية، اتصلي بالمقاول، عاوزة أهد الحيطة اللي بين أوضتي وأوضة المنضرة.. عاوزة أفتح البيت كله على بعضه، مش عاوزه حواجز تاني.
بس وهي بتبدأ حياتها الجديدة، جالي تليفون من مكتب المحاماة اللي بشتغل فيه.. تليفون قلب كياني وغير مسار القصة كلها، لأن السر اللي كان مخبيه أبويا مكنش مجرد جوازة تانية.. كان أكبر بكتير.
يتبع