أنا وسلفتي اتجوزنا في نفس اليوم

لمحة نيوز

أنا رشا. فتاة عادية من أسرة بسيطة، لكن عزة نفسي كانت دائمًا أغلى ما أملك. توفي والدي وأنا في سن صغيرة، وترك حملًا ثقيلًا على كتفي أمي وأخي الأكبر. أخي كان يصارع الزمن ليؤسس نفسه، وأمي شقيت وتعت وباعت ما تملك من قطع ذهب قليلة لكي تجهزني وتشتري لي ما يسترني، حتى لا أشعر بنقص أمام الناس.
أما في الجانب الآخر، فكان هناك كريم، شاب طيب ومكافح أحببته واختارني رغم علمه بظروفنا. لكن المشكلة لم تكن في كريم، بل في البيت الكبير الذي يعيش فيه.. بيت الحاجة فاطمة، والدته.
شاءت الأقدار أن يخطب شقيق كريم الأصغر فتاة تُدعى سلوى. سلوى كانت ابنة تاجر معروف في المنطقة، عائلتها تملك المال والمظاهر، وتم الاتفاق على شيء غير متوقع أن يكون زفافي وزفاف سلفتي سلوى في نفس اليوم، وفي نفس القاعة، لندخل معًا إلى بيت عيلة واحد.
ليلة العمر المكسورة
في ليلة الزفاف، ورغم الفرحة التي كانت تملأ قلبي، بدأت الفروق تظهر. كانت زفة سلوى مليئة بالبهرجة، وسيارات فارهة، وذهب يلمع يغطي يديها ورقبتها. أما أنا، فكانت زفتي بسيطة، وأهلي يقفون حولي بقلوبهم المحبة لا بجيوبهم الممتلئة.
انتهى الحفل، وصعدنا إلى الطابق الأرضي في بيت العائلة الكبير. دخلت شقتي، ودخلت سلوى الشقة المقابلة لي تمامًا في نفس الممر. كانت أصوات الزغاريد ما زالت تبدو في أذني كطنين متقطع، وفستان الزفاف الأبيض المعلق على باب الدولاب يذكرني بأنني أصبحت أخيرًا زوجة. ظننت بالسذاجة مني أنني وسلفتي سنكون سندًا لبعضنا البعض في هذه الغربة الجديدة.
صدمة الصباحية والمقارنة القاتلة
مع دقات الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، انفتح باب الشقة الخارجي. دخلت الحاجة فاطمة حماتي. لم تكن تحمل في يدها صينية الفطور أو كلمات التهنئة المعتادة، بل كانت عيناها تتفحصان المكان بفضول حاد، كأنها مفتش جمارك يبحث عن مهربات.
وقفتُ أستقبلها بابتسامة خجولة، وقبلت يدها وقلت صباح الخير يا ماما، نورتينا.
لم ترد التحية، بل مشت بخطوات بطيئة نحو المطبخ، ثم اتجهت إلى غرفة المعيشة، تتأمل الأثاث والسجاد. وفجأة، سخرت بضحكة صفراء هزت أركان الشقة
هو ده بقى الجهاز اللي قعدتوا تقولوا عليه؟ السجاد ده خفيف قوي يا رشا، والخشب ده باين عليه شعبي مش دمياطي أصلي. تعالي معايا كدة الشقة اللي قصادك وشوفي الأصول.
أخذتني من يدي بقسوة ودون أن تترك لي فرصة للرفض، ودخلنا شقة سلفتي سلوى. كانت شقتها تفوح برائحة الأثاث الجديد الفاخر، وكانت والدتها وأخواتها يجلسون هناك، وعلى الطاولة الكبيرة أمامهم تلال من علب الهدايا ومبالغ مالية ضخمة من النقطة.
التفتت إليّ حماتي أمام الجميع، وقادت بصوت عالٍ تعمدت أن يسمعه كل من في البيت
شايفة الجهاز اللي يشرف؟ شايفة الألماس والذهب وغرف النوم اللي تفتح النفس؟ مش زي جهازك اللي يعر وميشرفش حد! شايفة صباحية سلفتك ولمت قد إيه نقطة ترفع الراس؟ مش زي أهلك اللي داخلين علينا بصينية بسبوسة على الصبح، وحتى نقطتهم حاجة تكسف وما تشرفش!
نزلت الكلمات عليّ كالصاعقة. شعرت بغصة في حلقي وكأن النيران تشتعل في صدري. نظرت إلى الأرض ولم أنطق بحرف، بينما كانت سلفتي تنظر إليّ بنظرات انتصار وشفقة مزيفة، ووالدتها تبتسم بكبرياء أصاب قلبي في مقتل.
الوجع المستور وسر البشوات
عدت إلى شقتي أجر أذيال الخيبة والدموع تنهمر على وجنتي. ارتميت على السرير وأنا أتذكر كل لحظة مرت علينا وأحن إلى أبي المتوفى. تذكرت أخي الذي اقتطع من قوته ليساعدني، وتذكرت أمي التي تعبت وشقيت.
لم يكن أحد في هذا البيت يعلم أن كرامتي كانت تمنعني من الاستجداء. أنا لست مقطوعة من شجرة؛ فأولاد خالتي بشوات حقيقيون، يملكون شركات كبرى وعقارات في قلب القاهرة، ويعيشون في مستوى لا تحلم به حماتي ولا سلفتي. لكن كبرياء أمي وعزة نفسي جعلتنا نجهز كل شيء بصمت دون أن نطلب مليمًا واحدًا من أحد، ولم نخبرهم حتى بموعد الزفاف لتفادي إحراج أخي وتكفله بمصاريف فوق طاقته. لو علم أولاد خالتي بما يجرى لي الآن، لقلبوا هذا البيت رأسًا على عقب، ولكنني فضلت الصبر لحماية بيتي وزوجي كريم.
دخل كريم الغرفة ووجدني في هذه الحالة، فحاول تهدئتي وقال بقلة حيلة
معلش يا رشا، أمي طبيعتها كدة بتحب المظاهر، وسلوى أهلها أغنياء وأبوها تاجر معروف. عدي الليلة وما تزعليش نفسك، أنا شريك حياتك ومش فارق معايا الجهاز.
لكن كلام كريم لم يداوِ الجرح؛ فالمقارنات لم تتوقف عند الصباحية، بل كانت تلك مجرد البداية لخط جحيم ممتد.
طبخة المذلة والمؤامرة الأولى
مرت الأسابيع الأولى، وتحول بيت العائلة إلى ساحة اختبار يومية. كانت حماتي تنزلنا أنا وسلفتي إلى المطبخ الكبير في الطابق الأرضي لإعداد الطعام للعائلة كلها.
في أحد الأيام، طلبت منا إعداد عزومة كبيرة لأعمام زوجي. وقفتُ طوال الفجر أعمل بجد، أطبخ وأرتب، بينما كانت سلوى تكتفي بالإشراف وإعطاء الأوامر بحجة أن أظافرها وعنايتها بنفسها لا تسمح لها بالوقوف طويلًا أمام النيران.
حين وُضِع الطعام على المائدة، جلست حماتي وتذوقت الطعام، ثم نظرت إلى الأعمام وقالت
تسلم إيدك يا سلوى يا بنتي، الأكل طعمه يجنن، طول عمرك بنت عز وأكلك نفسة حلو.. مش زي ناس، الطبيخ معاهم باين عليه الفقر!
التفتت إليّ سلوى بابتسامة خبيثة وقالت بالهنا والشفا يا ماما، كله يهون عشان خاطركم.
لم أتحمل هذه المرة، وقفت وقلت بصوت مرتجف بس أنا اللي وقفت وطبخت الأكل ده كله من الفجر يا ماما، وسلوى ما لمستش حلة!
احتدت ملامح حماتي وقالت بقسوة وكمان بتكدبي؟ سلفتك بنت ناس وما تعرفش الكدب، وبعدين حتى لو عملتي حاجة، فده الواجب عليكي، جاية من بيت أبوكي عشان تخدمي هنا، إنما سلوى جاية بمالها وجاهها وكرامتها فوق راسنا.
خرست تمامًا، ورأيت في عيون زوجي كريم نظرة انكسار لأنه لم يكن قادرًا على مواجهة أمه وقوة شخصيتها في البيت.
نقطة التحول مكالمة غير متوقعة
في مساء ذلك اليوم الكئيب، وبينما كنت أجلس في بلكونة شقتي أتباكى على حظي، رن هاتفي المحمول. نظرت إلى الشاشة فوجدته طارق، ابن خالتي الكبير، أحد أكبر رجال الأعمال في القاهرة.
ترددت في الرد، ومسحت دموعي بسرعة ثم فتحت الخط أهلاً يا طارق، إزيك وإزي خالتو؟
جاءني صوته القوي والدافئ عبر الهاتف
عاملة إيه يا رشا؟ مبروك يا بنت خالي.. عاتبين عليكي وعلى مامتك جدًا، زواجك يمر كدة من غير ما نعرف؟ لولا خالتك عرفت بالصدفة من جارتكم القديمة ما كناش عرفنا! إحنا مسافرين برة مصر من فترة وشغلنا واخدنا، بس ده ما يمنعش إنك بنت الغالي. إحنا نازلين مصر الأسبوع الجاي، وجهزي نفسك لأننا جايين نزورك في بيتك الجديد بطاقم سياراتنا، وعايزين نتعرف على عيلتك الجديدة ونقوم بالواجب الكبير اللي فاتنا.
تسمرت في مكاني. نبضات قلبي تسارعت، ونظرت نحو الشقة المقابلة حيث كانت أصوات ضحكات حماتي وسلفتي تتعالى. شعرت فجأة ببريق من الأمل، وقوة لم أعهدها من قبل تنبت في داخلي. تذكرت كل إهانة، كل كلمة يعر، وكل سخرية من أهلي ومن جهازي ومن صينية صباحيتي.
قلت لطارق بنبرة هادئة ولكنها واثقة تنوروا يا طارق.. البيت بيتك، مستنياكم بفارغ الصبر، ولازم تيجوا كلكم.
أغلقت الهاتف والابتسامة ترتسم على وجهي لأمل قادم. أدركت أن اللعبة كبِرت، وأن الأسبوع القادم سيشهد زيارة تقلب موازين القوى في بيت العائلة، وتجعل من استهزأ بفقري يعيد حساباته ألف مرة.. ولكن، كيف ستمر الأيام القادمة حتى تصل هذه الزيارة؟ وما هي المؤامرة الجديدة التي تجهزها حماتي وسلفتي لي قبل وصول البشوات؟
مرّ الأسبوع ببطء شديد، وكأن الأيام تتعمد أن تختبر صبري. لكن حماتي وسلفتي لم تتركانني ألتقط أنفاسي. كل يوم كانت الحاجة فاطمة تجد سببًا جديدًا للسخرية؛ مرة من طريقة لبسي، ومرة من أكلة عملتها، ومرة من هدية بسيطة جابها أخويا ليا. وفي كل مرة كانت تنهي كلامها بجملتها المفضلة الناس مقامات يا رشا... والواحد لازم يعرف حجمه.
كنت أبتلع الإهانة بصمت، لكن بداخلي نار تكبر يومًا بعد يوم. أما سلوى، فكانت تستمتع بالمشهد. كلما اشترت حقيبة جديدة أو قطعة ذهب، تعمدت المرور أمام شقتي وتقول بصوت مرتفع الحمد لله على النعمة... الواحد لازم يتجوز من مستواه.
وفي إحدى الليالي، سمعتها تتحدث مع حماتي خلف باب المطبخ. قالت سلوى بصي يا ماما، لازم تفضلي تحطيها عند حدها... أصل الناس دي لو ادتلها عين هتركب فوق دماغك. فضحكت حماتي وقالت سيبيها عليا... أنا هعرفها مقامها كويس.
كانت الكلمات كالسكاكين، لكنني لم أرد. كنت أنتظر؛ أنتظر اليوم الذي سيصل فيه أولاد خالتي.
تهمة السرقة وبراءة غير متوقعة
وقبل الزيارة بيومين فقط، وقعت المصيبة. استيقظت صباحًا لأجد البيت كله في حالة هرج ومرج؛ الحاجة فاطمة تصرخ، وسلوى تبكي، والجميع مجتمع في الصالة. نزلت بسرعة أسأل في إيه؟ فصرخت حماتي في وجهي إنتِ جاية تسألي؟! العقد الذهب بتاع سلوى اختفى!
تجمدت في مكاني. عقد ذهبي ضخم كانت تتباهى به دائمًا. قلت بهدوء وإيه علاقتي؟ ردت سلوى وهي تمسح دموعًا مزيفة آخر واحدة دخلت شقتي كانت إنتِ.
شهقت من الصدمة إيه؟! لكن حماتي لم تمنحني فرصة للدفاع عن نفسي، وأمام كل العائلة قالت أنا من الأول قلت إن الفقر بيعمل أكتر من كده.
شعرت أن الأرض تميد بي، حتى كريم وقف مصدومًا وقال ماما! الكلام ده مينفعش. لكنها صاحت اسكت! أنا عارفة أنا بقول إيه.
ثم حدث ما لم أتوقعه؛ دخل شقيق زوجي فجأة وقال العقد لقيته. سكت الجميع، وسلوى اتسعت عيناها وسألته حماتي بسرعة فين؟ رد بهدوء في شنطة سلوى نفسها.
ساد الصمت ونظر الجميع إلى سلوى، فاحمر وجهها وتلعثمت يمكن... يمكن نسيت إني حطيته هناك. لكن نظرات الناس كانت تقول شيئًا آخر. لأول مرة تهتز صورتها أمام العائلة، ولأول مرة أشعر أن الله بدأ يُظهر الحقيقة.
وصول البشوات والإنصاف
وفي صباح اليوم المنتظر... سمع البيت كله أصوات سيارات فاخرة تقف أمام المنزل؛ سيارة، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة. تجمع الجيران أمام البيت، وخرجت حماتي إلى الشرفة لترى ما يحدث فجأة رأيتها تتجمد مكانها. نزلت بسرعة ووراءها سلوى ووالدتها. أما أنا فكنت أقف في مدخل البيت وقلبي يدق بقوة.
فتحت الأبواب وترجل منها رجال أنيقون يرتدون بدلات فاخرة، وخلفهم سيدات في غاية الرقي. وفي المقدمة كان طارق ابن خالتي. اقترب مني وفتح ذراعيه قائلًا بنت خالي الغالية! واحتضنني أمام الجميع. ثم التفت إلى أمي وقبل رأسها وقال سامحينا يا خالتي إننا اتأخرنا.
كانت حماتي تنظر للمشهد وكأنها لا تصدق. أما الصدمة الحقيقية فجاءت بعدها حين بدأت السيارات تفرغ ما بداخلها هدايا، أجهزة كهربائية فاخرة، صناديق ضخمة، مشغولات ذهبية، وأطقم لا تُحصى،
 

تم نسخ الرابط