بنتي غادة ادت جزمتها الجديده اللي بورقتها لبنت صغيرة حافية
شيء بدأ من بنت صغيرة كانت رجليها بتحرقها الأرض.
سكتت القاعة كلها.
ثم أكملت
ومن يومها فهمت إن الإنسان مش لازم يكون غني عشان يغيّر حياة حد... أحيانًا يكفي إنه يحس بيه.
وقتها حسيت بدموعي بتنزل.
لأنني أدركت أن الكوتشي الأبيض الذي خرج من بيتنا قبل سنوات...
لم يكن مجرد حذاء.
كان أول خطوة في طريق طويل من الخير.
طريق بدأ بطفلة اسمها غادة...
وما زال أثره يمتد إلى آلاف الأطفال حتى اليوم.
النهاية الحقيقية. وبينما الجميع كان يعتقد أنها النهاية الحقيقية...
كان القدر لسه مخبّي فصلًا أخيرًا.
بعد افتتاح المؤسسة بشهور، كانت غادة بتراجع بعض الملفات في مكتبها.
ملفات أطفال محتاجين تم مساعدتهم خلال السنوات الماضية.
وفجأة توقفت عند اسم مألوف.
اسم جعل قلبها يدق بسرعة.
كانت هي...
البنت الحافية.
البنت اللي بدأت بسببها كل الحكاية.
غادة طلبت مقابلتها فورًا.
وفي اليوم التالي دخلت شابة جميلة في أوائل العشرينات.
ابتسمت بخجل وقالت
فاكراني؟
ضحكت غادة وهي تقوم من مكانها وتحتضنها.
طبعًا كانت فاكراها.
كيف يمكن أن تنسى؟
جلسا يتحدثان لساعات.
وعرفت غادة أن تلك الطفلة أنهت دراستها بتفوق، ثم حصلت على منحة جامعية، وأصبحت تدرس العلاج الطبيعي.
لكن أكثر ما أبهرها كان شيء آخر.
قالت الشابة
أنا جيت النهارده عشان أقولك حاجة.
وأخرجت من حقيبتها علبة صغيرة.
فتحتها.
كان بداخلها كوتشي أبيض صغير جدًا.
مجسم مصنوع يدويًا بدقة مذهلة.
وقالت
بعمل واحد منه كل سنة.
استغربت غادة.
فسألتها
ليه؟
ابتسمت الفتاة والدموع تلمع في عينيها.
وقالت
عشان أفضل فاكرة اليوم اللي حسيت فيه إن الدنيا لسه فيها خير.
ساد الصمت للحظات.
ثم أضافت
في اليوم ده كنت مقررة أسيب المدرسة.
اتسعت عينا غادة.
كملت الفتاة
الأولاد كانوا بيتريقوا عليا بسبب هدومي وحذائي المقطوع... وكنت خلاص استسلمت.
تنهدت.
ثم قالت
لكن لما رجعت البيت بالحذاء الجديد... لأول مرة حسيت إني أستحق فرصة.
غادة لم تجد ما تقوله.
لأنها فهمت فجأة حجم الأثر الذي يمكن أن تصنعه لحظة عابرة.
لحظة ظنت وقتها أنها مجرد تصرف بسيط.
قبل أن تغادر، وضعت الفتاة المجسم الأبيض على مكتب غادة.
وقالت
احتفظي بيه.
هزت غادة رأسها رافضة.
لكن الفتاة ابتسمت.
وقالت
لا... لأن القصة دي بدأت عندك.
وبعد سنوات طويلة جدًا...
حين أصبحت غادة جدة، كانت تجلس في حديقة منزلها تحكي لأحفادها القصة نفسها.
قصة الكوتشي الأبيض.
وحين انتهت، سألها أحد الأحفاد
يا تيتة... لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتعملي نفس الحاجة؟
ضحكت غادة.
ونظرت إلى السماء للحظة.
ثم قالت
لا.
اتسعت أعين الأطفال من الدهشة.
فسكتت قليلًا وأكملت
كنت هشتري للبنت الحافية فردتين بدل فردة واحدة.
فضحك الجميع.
وبقيت الحكاية تُروى جيلًا بعد جيل...
ليس لأنها قصة عن حذاء.
بل لأنها قصة عن قلب اختار الرحمة في لحظة لم يكن أحد يراقبه فيها.
إلا أن الله كان يراه.
تمت حقًا هذه المرة لكن بعد سنين طويلة...
وفي أحد الأيام، كانت غادة العجوز ترتب صندوقًا قديمًا مليئًا بالذكريات.
صور عائلية، خطابات، شهادات تقدير، وقصاصات جرائد صفراء من أيام حملة خطوات غادة.
وفي أسفل الصندوق وجدت شيئًا نسيته تمامًا.
الظرف الأبيض الأول.
نفس الظرف الذي وجدته داخل الكرتونة يومها.
ابتسمت وهي تمرر أصابعها على الورقة القديمة.
لكنها لاحظت شيئًا غريبًا.
كان هناك ورقة صغيرة ملتصقة بداخل الظرف لم تنتبه لها طوال تلك السنوات.
سحبتها بحذر.
وكان مكتوبًا عليها بخط صغير جدًا
إذا قرأتِ هذه الرسالة يومًا، فهذا يعني أن الخير الذي بدأ اليوم استمر طويلًا... وعندها أريد أن أخبرك بسر.
ارتجفت يدها.
وقرأت السطور التالية
أنا الرجل الذي أرسل الكراتين.
لكن فكرة المكافأة لم تكن فكرتي.
صاحبة الفكرة الحقيقية كانت طفلة صغيرة شاهدت الموقف معي.
حين رأت غادة تعطي حذاءها للبنت الحافية، قالت لي جملة لم أنسها أبدًا
لو كل واحد عنده جزمتين ادّى واحدة، مش هيبقى فيه حد حافي.
في تلك اللحظة فهمت أننا الكبار نعقّد الأشياء أكثر مما يجب.
لذلك قررت تنفيذ الحملة.
أما الطفلة صاحبة الفكرة...
فهي ابنتي.
وقد توفيت بعد أشهر قليلة من ذلك اليوم بسبب مرضٍ طويل.
لكنها كانت سعيدة جدًا لأن فكرة صغيرة خرجت من قلبها وتحولت إلى خير يصل للناس.
توقفت غادة عن القراءة.
وامتلأت عيناها بالدموع.
وأكملت
إذا وصلتك هذه الرسالة بعد سنوات، فأرجو أن تعرفي أن ابنتي لم تُنسَ.
ففي كل طفل ارتدى حذاءً جديدًا، كان هناك جزء من حلمها يمشي معه.
أغلقت غادة الرسالة ببطء.
ونظرت حولها.
إلى صور أحفادها.
إلى المؤسسة التي كبرت.
إلى آلاف القصص التي بدأت من موقف واحد.
وفهمت شيئًا أخيرًا.
أن الخير لا يخص شخصًا واحدًا أبدًا.
كل عمل طيب يحمل داخله قلوبًا كثيرة...
قلبًا أعطى.
وقلبًا استقبل.
وقلوبًا أخرى حملت الأثر من بعدهم.
وفي تلك الليلة، طلبت غادة من أحفادها أن يضيفوا اسم تلك الطفلة الراحلة إلى لوحة الشرف في المؤسسة.
وعندما سألها أحدهم
مع إن محدش يعرفها؟
ابتسمت وقالت
مش لازم الناس كلها تعرف اسمك... يكفي إن الخير يعرف طريقه إليك.
وفي صباح اليوم التالي، عُلِّقت لوحة جديدة عند مدخل المؤسسة.
كُتب عليها
إلى كل قلب صغير ظن أن لطفه لن يغيّر شيئًا... أنتم بداية كل شيء.
وهكذا استمرت الحكاية...
لا كبطولة لشخص واحد.
بل كسلسلة طويلة من الرحمة، انتقلت من يد إلى يد، ومن قلب إلى قلب، حتى أصبحت أكبر من الجميع.