انا وجوزى منفصلين من تلات سنين
كنت هفتحها، دوى صوت خبط شديد على الباب، أقوى من المرة الأولى.
بصينا لبعض في خوف.
ولما فتحت الباب، اتفاجئت بشخص واقف بيقول بلهجة حازمة
الأستاذ موجود هنا؟ إحنا لازم نقابله حالًا... الموضوع ما ينفعش يتأجل.
وتجمدت مكاني، لأن اللي كان واقف قدامي ماكنش شخصًا أتوقع أشوفه أبدًا اتسمرت مكاني وأنا ببص في وش الراجل.
كان في أواخر الخمسينات، لابس بدلة بسيطة، وفي إيده ملف سميك.
قال بهدوء حضرتك مدام...؟
هزيت راسي.
قال أنا آسف على الإزعاج، لكن الأستاذ موجود؟
قلت لسه خارج من دقايق.
بص حواليه كأنه بيتأكد إنه فعلًا مش موجود، ثم قال طيب... لما يرجع، بلغيه إن حضوره ضروري جدًا. الموضوع متعلق بمستقبل الأولاد.
أول ما سمعت كلمة الأولاد، قلبي وقع.
قلت بسرعة يعني إيه مستقبل الأولاد؟
هز راسه وقال معذرة... مش من حقي أتكلم في تفاصيل.
وسابني ومشي.
قفلت الباب وأنا حاسة إن كل حاجة حواليا بقت غامضة.
ابني قال بقلق هو ليه كل الناس بتدور عليه النهارده؟
بصيت للظرف اللي كان ناسيه.
المرة دي فتحت الورقة.
كانت عبارة عن إخطار يطلب منه مراجعة جهة رسمية خلال أيام، ومعاه مستندات تخص التزاماته الأسرية ونفقات الأولاد.
ماكانش فيه تفاصيل كفاية، لكن واضح إن في حاجة هو مخبيها.
فضلت طول الليل بفكر.
وفجأة... الساعة قربت على اتنين بعد نص الليل.
تليفوني رن.
الرقم كان رقمه.
رديت.
لكن اللي اتكلم ماكانش هو.
صوت راجل غريب قال بسرعة حضرتك زوجة الأستاذ؟
قلبي انقبض.
قلت أيوه... خير؟
قال موبايله وقع معايا، وهو اضطر يمشي بسرعة بعد ما حصلت له مشكلة.
وقبل ما أسأله أي مشكلة، سمعت صوت جوزي من بعيد بيقول للرجل
اقفل... متقولهاش أي حاجة دلوقتي.
واتقفل الخط.
فضلت ماسكة الموبايل، ومش فاهمة هو بيخبي إيه.
تاني يوم الصبح، قبل حتى ما أشرب قهوتي، لقيت عربية وقفت قدام البيت.
نزل منها جوزي.
لكن المرة دي كان شكله مختلف تمامًا.
وشه مرهق، هدومه مكركبة، وعينيه باين عليهم إنه ما نامش طول الليل.
طلع السلم بسرعة، وخبط الباب بعنف.
فتحت.
دخل من غير مقدمات، وبص على الترابيزة يدور بعينيه.
قلت بتدور على إيه؟
قال بتوتر الظرف... فين الظرف؟
رديت بهدوء قرأته.
سكت ثواني.
وبعدين قال لأول مرة من سنين، بنبرة مكسورة
في حاجات حصلت إنتِ متعرفيهاش... ولو عرفتيها بالطريقة الغلط، حياتنا كلنا هتتقلب.
وقبل ما ينطق بكلمة زيادة...
رن جرس الباب مرة تانية.
فتح ابني الباب قبل ما أمنعه.
وكانت المفاجأة...
امرأة في منتصف العمر واقفة، أول ما شافت جوزي قالت بصوت مرتفع
أخيرًا لقيتك... إحنا لازم نتكلم دلوقتي، لأن السكوت أكتر من كده هيضيع حقوق ناس كتير.
وتحول لون وجهه إلى شاحب، بينما وقف الجميع في صمت ينتظرون ما ستقوله وقف جوزي مكانه، وعينيه متثبتين على الست، وكأنه كان خايف من اللحظة دي من زمان.
قال بصوت منخفض إنتِ... إزاي عرفتي مكاني؟
ردت بهدوء وهي رافعة الملف اللي في إيديها دورت عليك كتير، وكل مرة كنت بتغير رقمك أو تأجل الكلام. لكن المرة دي لازم تسمع.
أنا كنت واقفة مش فاهمة حاجة، لكن واضح إن في قصة كبيرة مستخبية.
قلت لها اتفضلي ادخلي.
دخلت وقعدت، لكن قبل ما تنطق، جوزي قال بعصبية مفيش داعي للكلام ده قدام الأولاد.
ابني رد بسرعة لأ... إحنا من حقنا نعرف. كفاية أسرار.
تنهدت الست وقالت أنا مش جاية أعمل مشاكل، ولا جاية أخرب بيت حد. أنا جاية لأن فيه حاجة لو ما اتحلتش النهارده، هتأثر على مستقبل الأولاد.
كلنا بصينا لبعض.
جوزي كان ساكت، ووشه كله توتر.
فتحت الست الملف، وطلعت منه شوية أوراق.
وقالت الأستاذ بقاله فترة مأجل التزامات مهمة، وكل مرة يوعد إنه هيخلصها.
قاطعها بسرعة قلتلك هحل الموضوع.
ردت بحزم الوقت خلص.
ابني قرب وقال هو فيه إيه؟
لكن الست بصتلي وقالت الكلام الأول لازم يكون بيني وبينك.
أخدتني على جنب، وقالت بصوت واطي أنا جاية أنصحك، أي قرار هتاخديه الأيام الجاية لازم يكون بعد ما تعرفي الحقيقة كاملة. متستعجليش.
رجعنا الصالون.
كان جوزي واقف عند الشباك، باصص للشارع، وكأنه مستني حد.
وفجأة...
وقف عربية قدام البيت.
نزل منها شاب في أواخر العشرينات.
طلع السلم بسرعة، وخبط الباب.
أول ما فتحنا، دخل وهو بيقول
بابا... أنا بقالي ساعة بدور عليك!
اتجمدنا كلنا.
أنا بصيت لجوزي، وهو نزل بعينيه في الأرض.
أما أولادي، فكانوا بيبصوا للشاب في ذهول.
الشاب هو كمان استغرب وجودنا، وقال
هو... في إيه؟
وقبل ما أي حد يرد، جوزي رفع راسه وقال بصوت متردد
اقعد... لأن واضح إن النهارده مفيش سر هيفضل مستخبي.
يتبع...عمّ الصمت المكان.
ابني الكبير كان أول واحد كسر الصمت، وقال وهو باصص للشاب
إنت قلت له... بابا؟
الشاب اتردد، وبص لجوزي يستناه يتكلم، لكنه لقى منه سكوت.
قال بهدوء أنا آسف... واضح إني دخلت في وقت مش مناسب.
رد ابني بحدة لأ، هو أنسب وقت. قول إنت مين.
تنهد الشاب وقال أنا ابن عمته... من وأنا صغير وهو بيعتبرني زي ابنه، وأنا متعود أناديه يا بابا.
شعرت إن التوتر خف شوية، لكن ملامح جوزي فضلت متجهمة.
قلت للشاب اتفضل اقعد.
قعد وهو باصص لجوزي باستغراب، وقال أنا جيت لأنك قلتلي لو حصل أي جديد أكلمك فورًا.
رد عليه بسرعة مش دلوقتي.
لكن الشاب أخرج ظرفًا صغيرًا من جيبه وقال مش هينفع نستنى... الموضوع كبر.
أول ما شاف الظرف، جوزي قام من مكانه وخطفه من إيده.
ابني قال بانفعال هو إيه اللي في الظروف دي كلها؟
ماحدش رد.
في اللحظة دي، رن جرس الباب للمرة التالتة.
المرة دي كان خبط الباب أقوى من كل مرة.
فتحت...
لقيت راجل كبير في السن، أول ما شاف جوزي قال
الحمد لله إنك هنا. أنا دورت عليك في كل مكان.
جوزي رد بتوتر إنت كمان!
قال الرجل أيوه... لأن التأجيل بقى مستحيل.
طلع من جيبه ملف قديم، وحطه على الترابيزة.
وقال قبل ما أي حد ياخد قرار، لازم الورق ده يتفتح قدام الكل.
بص جوزي للملف، واتغير لون وشه.
أما أنا، فحسيت إن كل اللي حصل من ساعة ما طلبت الطلاق، كان مجرد بداية، وإن في سر قديم عمره سنين، محدش في البيت يعرفه.
مد الرجل إيده ناحية الملف، وقال
النهارده... كل واحد هيعرف الحقيقة اللي اتخبّت عنه سنين.
وفي اللحظة التي همَّ فيها بفتح الملف...
مدَّ جوزي يده بسرعة وأغلقه بقوة، وهو يقول بصوت مرتجف
لأ... مش بالطريقة دي.
وتبادل الجميع نظرات مليئة بالدهشة، بينما ازداد الغموض أكثر من أي وقت مضى أول ما جوزي قفل الملف بإيده، الراجل الكبير بصله وقال بحزم
كل مرة بتقول مش دلوقتي... وبقالنا سنين بنسمع نفس الجملة. إمتى بقى؟
رد جوزي وهو بيحاول يتمالك أعصابه أنا هحل كل حاجة بنفسي.
الراجل هز رأسه وقال للأسف... الموضوع خرج من إيدك من زمان.
ابني الكبير كان بيبص بين الاتنين، ومبقاش قادر يستحمل.
قال بصوت عالي هو إحنا قاعدين في لغز؟! حد يفهمنا فيه إيه!
أنا كمان قلت كفاية أسرار. اللي عنده كلام يقوله.
سكت الجميع ثواني.
وفجأة... تليفون جوزي رن من جديد.
بص للشاشة، واتنهد تنهيدة طويلة، ورد.
أيوه... أنا موجود.
الطرف التاني كان بيتكلم بعصبية، وجوزي مكنش بينطق غير بكلمتين حاضر... فهمت.
قفل المكالمة، وحط الموبايل على الترابيزة.
لكن قبل ما يتكلم، الموبايل نور برسالة جديدة.
ابني لمح الشاشة من غير قصد، وقرا أول سطر
آخر مهلة قبل اتخاذ الإجراءات...
رفع عينه لأبوه وقال إجراءات إيه؟
جوزي سحب الموبايل بسرعة، وقال دي أمور خاصة بيا.
رد ابني بمرارة من تلات سنين وإحنا بالنسبة لك مش من أمورك الخاصة.
الكلمة أصابته