انا وجوزى منفصلين من تلات سنين
في مقتل.
قعد على الكنبة، وحط إيده على وشه لأول مرة، وكأنه حاسس بثقل السنين كلها.
بعد لحظات، رفع راسه وبصلي وقال
إنتِ لسه مصممة على الطلاق؟
قلت من غير تردد أكتر من الأول.
هز رأسه ببطء وقال طيب... اديني أسبوع واحد.
استغربت.
أسبوع ليه؟
قال أخلص كل حاجة، وبعدها هقعد معاكي، ولو بعد اللي هتعرفيه لسه مصممة... مش همنعك.
قلت بحزم أنا استنيت تلات سنين، مش هينفع أعيش على الوعود تاني.
وفي اللحظة دي...
رن جرس الباب للمرة الرابعة.
فتح ابني الباب.
كان ساعي بريد، ومعاه ظرف رسمي جديد.
قال التوقيع للأستاذ.
أخدت الظرف بدل جوزي.
بصلي وقال بقلق سيبيه... ده يخصني.
لكن الساعي قال لازم حد يستلمه دلوقتي.
وقعت باسمي، وأول ما الساعي مشي، لفت نظري جملة كبيرة مكتوبة على الظرف من الخارج
هام جدًا... يتعلق بإجراءات قانونية عاجلة.
كل العيون اتجهت ناحيتي.
جوزي قام من مكانه بخطوات سريعة، ومد إيده ناحية الظرف وهو بيقول
ماتفتحيهوش... أرجوكي.
لكن للمرة الأولى منذ سنوات...
تراجعت خطوة للخلف، وقلت بهدوء
طول عمرك كنت بتقرر عني... النهارده القرار قراري.
ثم بدأت أفتح الظرف ببطء...
وفي اللحظة التي ظهرت فيها أول ورقة، اتسعت عيناي من شدة المفاجأة، بينما وقف الجميع يترقب ما سأقوله، دون أن يعرف أحد أن ما قرأته سيغيّر مجرى الأحداث بالكامل مسكت أول ورقة، وبدأت أقرأها بهدوء.
كل اللي في الصالون كان مستني رد فعلي.
لكن بعد ثواني، رفعت عيني وقلت باستغراب
دي... استدعاء لحضور جلسة تسوية أسرية.
جوزي نزل رأسه في الأرض.
كملت قراءة الورقة، ولقيت فيها إخطار بضرورة حضوره خلال أيام لمناقشة أوضاع النفقة، ورؤية الأولاد، وبعض الالتزامات الأسرية اللي كانت متأجلة من فترة.
بصيت له وقلت هو إنت حتى ده كنت مخبيه؟
قال بصوت واطي كنت مستني أرتب أموري الأول.
رديت بمرارة إنت طول عمرك مستني... لحد ما كل حاجة ضاعت.
الراجل الكبير اتدخل وقال وده سبب مجيئنا النهارده. إحنا إديناله فرص كتير، لكنه كان كل مرة يطلب تأجيل.
جوزي قام وقف وقال بعصبية أنا قلت هحل الموضوع!
لكن الست اللي كانت قاعدة من الأول ردت عليه الكلام بقى كتير... والأفعال قليلة.
قبل ما يرد، ابني الصغير خرج من أوضته، وكان ماسك علبة كرتون قديمة.
قال ماما... لقيت دي فوق الدولاب.
بصيت للعلبة.
كانت مليانة صور قديمة.
فتحتها، ولقيت صور لينا أيام أول الجواز، وصور لأولادنا وهم صغيرين.
وفي آخر العلبة، كان فيه ظرف أصفر قديم.
أول ما جوزي شافه، جري ناحيته وقال بانفعال الظرف ده مين طلعه؟
استغربت رد فعله.
قلت إيه أهمية الظرف ده؟
سكت.
قلت وأنا بفتحه واضح إنه أهم من كل الظروف اللي شوفتها النهارده.
مد إيده يمنعني.
لكن ابني الكبير وقف قدامه وقال سيبها.
فتحت الظرف...
ولقيت جواه ورقة مكتوبة بخط إيد جوزي.
واضح إنها بقالها سنين.
بدأت أقرأ أول سطر بصوت مسموع
لو في يوم وصلتي للورقة دي... يبقى أكيد كل حاجة خرجت عن سيطرتي...
اتسعت عيون الموجودين.
أما جوزي، فغمض عينيه وكأنه كان يتمنى ألا تُفتح هذه الورقة أبدًا.
وساد البيت صمت ثقيل، بينما بدأت أقرأ السطر الثاني... والذي كان كفيلًا بأن يقلب الحديث كله في اتجاه لم يكن أحد يتوقعه أخذت نفسًا عميقًا، وكملت قراءة الرسالة، بينما كل الأنظار كانت متعلقة بيا.
لو في يوم وصلتي للورقة دي... يبقى أكيد كل حاجة خرجت عن سيطرتي. يمكن وقتها تكوني فقدتي الثقة فيا، ويمكن تكوني خلاص قررتي تمشي في طريقك... لكن قبل ما تحكمي عليا، اسمعي مني.
رفعت عيني وبصيت له.
قلت إيه ده؟ إمتى كتبت الكلام ده؟
قال بصوت خافت من حوالي سنتين.
استغربت.
يعني بعد ما سيبتنا بسنة؟
هز رأسه من غير ما يتكلم.
رجعت أكمل.
أنا عارف إني غلطت في حقكم، وعارف إن غيابي كسر قلوبكم، لكن في حاجات كنت فاكر إني هقدر أصلحها لوحدي.
وقفت عن القراءة.
قلت بغضب وأصلحت إيه؟
مردش.
الراجل الكبير تنحنح وقال كملي... يمكن نفهم.
رجعت للرسالة.
لكن الغريب إن الصفحة كانت ناقصة.
آخرها كان مقطوع، وكأن فيه ورقة تانية كانت متشالة منها.
قلبت الظرف.
فاضي.
قلت فين باقي الرسالة؟
جوزي اتوتر وقال كانت كاملة... أنا مش عارف راحت فين.
في نفس اللحظة، الشاب اللي كان موجود من الأول افتكر حاجة.
قال استنى... أنا فاكر.
كلنا بصينا له.
قال من كام شهر، كنت بنقل شوية حاجات من المخزن بناءً على طلبه، وشفت ظرف شبه ده. كان فيه ورقة وقعت لوحدها، وأنا حطيتها جوه كتاب قديم علشان متضيعش.
جوزي قام بسرعة وقال الكتاب فين؟
رد الشاب في المخزن... لو محدش حركه.
من غير تفكير، نزل هو والشاب للمخزن اللي تحت العمارة.
عدت خمس دقايق...
عشرة...
ربع ساعة...
وأخيرًا طلعوا.
لكن أول ما شفت وش جوزي، عرفت إنهم ملقوش الكتاب.
قال الشاب بأسف المخزن متقلب... والكتاب اختفى.
وفجأة، افتكرت حاجة.
من شهر تقريبًا، كنت عاملة حملة ترتيب للبيت، وطلعت كراتين قديمة للجمعية الخيرية.
قلبي وقع.
قلت يا نهار أبيض... يكون الكتاب كان وسطهم؟
ساد صمت مرعب.
لو كان الكتاب فعلًا خرج من البيت، يبقى الجزء الأخير من الرسالة... اختفى.
لكن قبل ما حد ينطق، رن تليفوني.
رقم غريب.
رديت.
الصوت اللي على الطرف التاني قال بهدوء
مساء الخير... معايا مدام...؟
قلت أيوه.
قال أنا اشتريت مكتبة مستعملة من أسبوع... ولقيت جواها كتاب قديم، وفيه ظرف باسم حضرتك.
اتسعت عيناي.
قبل ما أسأله أي سؤال، أكمل
واضح إن اللي مكتوب فيه مهم جدًا... لأن أول سطر خلاني أدور على صاحبة الاسم.
نظرت إلى جوزي، الذي وقف مذهولًا، بينما قال الرجل في الهاتف
لو تحبي تستلمي الظرف... لازم نتقابل النهارده، لأن بكرة مسافر خارج المحافظة.
وأغلقت السماعة، بينما أدرك الجميع أن الجزء المفقود من الحقيقة ربما لا يزال موجودًا... لكن الوصول إليه لن يكون سهلًا في نفس الليلة، خرجت أنا وأخويا نقابل الرجل اللي اتصل.
كان مستنينا في مكتبة صغيرة، وأول ما شافني، طلع الظرف من درج مكتبه وقال
أنا ما فتحتوش... أول ما شفت الاسم، حسيت إنه أكيد يخص صاحبه.
أخدت الظرف، وفتحت آخر صفحة من الرسالة.
بدأت أقرأ بصوت ثابت
لو وصلتي لآخر الرسالة دي، فأنا أكيد خسرتك. أنا السبب في كل اللي حصل، ومهما حاولت أبرر، مفيش مبرر لهجر زوجة وأولاد. يمكن كنت فاكر إن الوقت هيصلح كل حاجة، لكنه ضيع كل حاجة. لو في يوم طلبتي الطلاق، متمنعكيش. لأن اللي ضيع الأمان في بيته، ميستحقش يطلب من غيره يفضل مستنيه.
وقفت عن القراءة، والدموع كانت في عيني.
بصيت له، ولأول مرة شفته منكسر فعلًا.
قال كنت ناوي أديكي الرسالة بنفسي... لكن كل مرة كنت أقول بكرة.
قلت بهدوء البكرة ده فات عليه سنين.
رجعنا البيت، وقعدنا أنا وهو والأولاد.
المرة دي مفيش عصبية، ولا صوت عالي.
ابني الكبير قال
إحنا مش بنكرهك... إحنا زعلنا منك لأنك سيبتنا.
بنته الصغيرة قالت وهي باصة له
أنا نفسي أعرف بابا من جديد... بس مش بابا اللي بييجي يوم ويمشي شهر.
الكلمات كسرت آخر جزء من كبريائه.
بكى لأول مرة قدام أولاده.
قال أنا ظلمتكم... ومهما اعتذرت، عمري ما هرجع اللي فات.
بصلي وقال
إنتِ طلبتي الطلاق... وأنا موافق.
ساد الصمت.
كمل كلامه
مش هستخدم الشرع عشان أمنعك من حياتك. ولا هحبسك في علاقة أنا اللي ضيعتها. لو لقيتي راجل يصونك ويحترمك ويكون سند ليكي ولولادك... أتمنى يكون أحسن مني.
بعد أسابيع، تم الطلاق في هدوء، من غير مشاكل ولا قضايا.
اتفقنا إن الأولاد يفضلوا بعيد عن أي خلاف، وإن يفضل أبوهم موجود في حياتهم، لكن كأب مسؤول، مش كزوج غائب.
بدأ يزورهم
بانتظام، ويحاول يعوضهم عن جزء من اللي فاتهم، وعلاقته بيهم بدأت تتحسن تدريجيًا، لكنها احتاجت وقتًا طويلًا عشان يرجعوا يثقوا فيه.
أما أنا...
فبدأت أعيش من جديد.
رجعت أكمل شغلي، اهتميت بنفسي، وبولادي، وبقيت مؤمنة إن الست مش بتقف حياتها على شخص.
وبعد فترة، اتقدملي رجل محترم، كان عارف كل ظروفي، واحترمني واحترم أولادي قبل أي حاجة.
لما عرف جوزي السابق، اكتفى إنه يقول
ادعيلها بالسعادة... دي أقل حاجة أقدر أقدمهالها بعد اللي شافته معايا.
وفي يوم فرحي، أولادي كانوا واقفين جنبي، بيضحكوا من قلبهم لأول مرة من سنين.
وقتها بس عرفت...
إن النهاية السعيدة مش معناها إن اللي اتكسر رجع زي الأول، لكن معناها إن الإنسان يلاقي السلام بعد وجع طويل، ويبدأ صفحة جديدة وهو راضي، من غير كراهية، ومن غير انتقام.
تمت.