ست عجوز
كان واقف هنا قبل ما النور يقطع.
العجوز بصت للمختار.
إنت كنت واقف فين؟
رد بهدوء
جنب الباب.
لكن الشاب قاطعه
لأ أنا كنت جنب الباب، وإنت كنت أقرب واحد للطاولة.
سكت المختار.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت حركة فوقهم.
ثم صوت شيء معدني وقع على أرض البيت.
محمود صرخ
الدفتر مش معاه!
طلعوا السلم بسرعة.
وفي الصالة، وجدوا الحقيبة الجلدية مفتوحة، وبداخلها ورقة واحدة لم تكن موجودة من قبل.
العجوز التقطتها.
كانت مكتوبة بخط زوجها
لو اختفى الدفتر، دوروا على الأوتاد المكسورة.
الكل جرى ناحية السطح.
بدأوا يعدّوا الأوتاد.
واحد اتنين تلاتة
لحد ما وصلوا لآخر جزء.
كان فيه وتد مكسور حديثًا.
محمود انحنى عنده، وحفر بإيده في التراب.
وبعد ثوانٍ، أخرج مفتاحًا صغيرًا.
العجوز بصت له بدهشة
مفتاح إيه ده؟
محمود قال
مفتاح المكان اللي الدفتر الحقيقي موجود فيه.
المختار صرخ
ما تصدقوش كلامه!
محمود التفت له.
لأنك عارف أنا بتكلم عن إيه.
المختار سكت.
ثم فجأة حاول يهرب ناحية السلم.
لكن الرجال وقفوا أمامه.
العجوز قربت منه وقالت
طول السنة دي كنت فاكرة إن جوزي مات عشان سر.
ثم رفعت المفتاح.
دلوقتي عرفت إن السر لسه ما اتكشفش كله.
محمود نظر إلى زوجته وقال
ولسه أهم جزء ما تعرفيهوش.
ثم أشار إلى أحد الأوتاد.
الوتد ده مش معمول عشان يحمي البيت.
أمال معمول ليه؟
نظر محمود إلى الأرض تحت أقدامهم وقال
عشان
يحدد مكان باب تاني باب ما كانش المفروض حد يفتحه أبدًا محمود قرب من الوتد المكسور، وبدأ يحفر بإيده في المكان اللي أشار إليه.
بعد لحظات، اصطدمت أصابعه بشيء صلب.
طلع قطعة حديد صغيرة، وبعدها أزاح طبقة من التراب، فظهر طرف غطاء معدني دائري.
الرجالة تجمعوا حواليه.
ده باب!
العجوز كانت واقفة بعيد، ووشها متغير.
جوزي إنت كنت تعرف إن الباب ده موجود؟
محمود رد
كنت أعرف إن فيه مدخل، لكن عمري ما فتحته.
المختار ضحك فجأة.
وكنتوا مستنيين إيه؟! إنكم تلاقوا كنز؟
محمود بص له
لأ كنا مستنيين نعرف مين اللي قتل الحقيقة قبل ما يقتلني.
ثم وضع المفتاح في القفل.
طَق!
انفتح الباب ببطء.
لكن اللي ظهر تحته ما كانش سردابًا عاديًا.
كان سلم حجري قديم نازل إلى مكان مظلم، وعلى أول درجة كانت هناك علامة محفورة.
نفس العلامة الموجودة على قطعة القماش.
العجوز قربت منها ولمستها.
وفجأة قالت
العلامة دي كانت موجودة على ورقة جوزي قبل موته.
محمود هز رأسه.
وعشان كده كنت بحاول أخليهم يفتكروا إني مت.
أحد الرجال سأله
مين هم؟
محمود لم يرد.
بدلًا من ذلك، أشار إلى المختار.
اسألوه.
الكل التفت إليه.
المختار حاول يتماسك
أنا معرفش حاجة عن الكلام ده.
لكن العجوز اقتربت منه وقالت
لو معندكش حاجة تخبيها انزل معانا.
المختار تردد.
ثواني طويلة مرت.
ثم قال
حاضر.
ونزل أول درجة.
ثم الثانية.
لكن قبل ما ينزل الثالثة، سمعوا صوتًا من أسفل السرداب
محمود متفتحش الباب.
محمود تجمد مكانه.
العجوز همست
مين اللي قال كده؟
محمود لم يجب.
لأنه كان يعرف الصوت.
نفس الصوت الذي سمعه قبل سنة
في الليلة التي أعلنت فيها القرية أنه مات.
ومع استمرارهم في النزول، بدأ يظهر في الجدار عدد كبير من الصور القديمة.
صور لأشخاص من القرية
بعضهم مات.
وبعضهم سافر.
وبعضهم ما زال يعيش بينهم.
لكن في آخر الجدار كانت هناك صورة واحدة جعلت العجوز تتوقف تمامًا.
كانت صورتها هي
وهي واقفة فوق سطح بيتها، تحمل أول وتد خشبي.
والصورة كانت مؤرخة بتاريخ
قبل وفاة زوجها بثلاثة أشهر.
رفعت العجوز عينيها لمحمود
مين كان بيراقبني من وقتها؟
محمود قال بصوت منخفض
الشخص اللي كان عارف كل حاجة عن الأوتاد
ثم نظر إلى آخر السرداب.
والشخص ده موجود معانا دلوقتي محمود بصّ في وشوشهم واحد واحد، وبعدين قال
محدش يتحرك كل واحد يفضل مكانه.
الأنفاس اتقطعت.
المختار قال بعصبية
إنت بتشك فينا كلنا ولا إيه؟
محمود رد بهدوء
أنا مش بشك في حد أنا بدوّر على اللي يعرف مكان الباب ده غيري.
العجوز قربت من الحيطة، وبدأت تتفحص الصور.
فجأة وقفت قدام صورة صغيرة في آخر الصف.
استنوا!
محمود قرب منها.
الصورة كانت لثلاثة رجال واقفين قدام نفس البيت لكن التاريخ المكتوب عليها كان أقدم من كل الصور.
والأغرب إن واحد من الرجال كان واضح جدًا.
كان والد المختار.
المختار اتغير لون وشه.
دي صورة قديمة وأنا معرفش عنها حاجة.
العجوز بصت له
أبوك كان بييجي هنا؟
لا.
يبقى ليه صورته موجودة تحت بيتي؟
المختار سكت.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت معدن بيحتك بالحجر من آخر السرداب.
جرررررر
الكل لف ناحية الصوت.
محمود رفع المصباح.
في آخر الممر كان فيه باب حديد صغير.
وعليه نفس العلامة.
لكن الباب كان مفتوح شبر واحد.
محمود قرب منه بحذر.
وقبل ما يلمسه، لقى ورقة مثبتة عليه.
فتحها.
وكان مكتوب بخط زوجته العجوز
لو وصلتوا للباب ده متصدقوش أي حاجة قالها محمود.
العجوز شهقت.
دي مش كتابتي!
محمود رجع خطوة.
المختار قال
يبقى مين اللي كتبها؟
وقبل ما حد يرد
طلع من خلف الباب صوت خافت
أنا.
تجمد الجميع.
محمود رفع المصباح ناحية الباب.
لكن ماكانش فيه حد.
وفجأة الباب اتفتح لوحده بالكامل.
ظهر خلفه ممر ضيق جدًا، وعلى الأرض صندوق خشبي صغير.
فوق الصندوق كانت صورة واحدة.
محمود مد إيده وأخذها.
نظر إليها
ثم سقطت الصورة من إيده.
العجوز التقطتها.
ولما شافتها، حطت إيدها على بوقها من الصدمة.
الصورة كانت لزوجها
واقف وسط ثلاثة أشخاص.
لكن واحد منهم لم يكن المختار.
ولم يكن أي رجل من رجال القرية.
كان شخصًا يعرفونه جميعًا
الشخص الذي كان أول واحد أعلن خبر وفاة زوجها قبل تسع سنوات.
والأخطر من كده
إن الصورة كانت متصورة بعد تاريخ الوفاة المعلن بسنتين أكيد، نكمّل من لحظة اكتشاف الصورة
العجوز فضلت باصة للصورة، وإيديها بدأت ترتعش.
مستحيل
محمود خطف الصورة منها.
مين اللي في الصورة؟
العجوز أشارت للرجل الواقف جنب جوزها.
ده عم صابر صاحب المخزن القديم.
المختار قال بسرعة
عم صابر مات من أكتر من عشر سنين!
محمود بص للصورة تاني.
أيوه بس الصورة دي اتصورت بعد موته بسنتين.
سكتوا كلهم.
العجوز قالت
يبقى مش كل اللي اتقال لنا عن الموت كان حقيقي.
وفجأة صدر صوت من داخل الصندوق الخشبي.
دق دق دق.
الكل رجع خطوة.
محمود قرب منه، لكن العجوز مسكته من إيده
استنى.
ليه؟
جوزي كان بيقول لي دايمًا أي صندوق مقفول هنا، ما يتفتحش غير لو سمعتي التلات خبطات.
محمود بص لها بدهشة.
دق دق دق.
المرة التانية.
المختار قال
افتحه.
محمود مد إيده ورفع الغطاء.
الصندوق كان فاضي تقريبًا.
مافيهوش غير مفتاح قديم وورقة مطوية.
فتح الورقة.
وكان مكتوب
لو وصلت للصندوق، يبقى محمود رجع لكن متثقش فيه لحد ما تعرف مين أنقذه.
محمود ثبت مكانه.
العجوز بصت له.
مين أنقذك؟
محمود ما ردش.
محمود أنا بسألك!
رفع عينيه وقال
مش مهم دلوقتي.
لأ، مهم جدًا!
قبل ما يكمل كلامه، سمعوا صوت باب السرداب بيتقفل من فوق.
طَخ!
الظلام ابتلع المكان.
المختار صرخ
مين قفل الباب؟!
محمود شغّل المصباح بسرعة.
وفي ضوء المصباح ظهر شيء على الحائط لم يكن موجودًا قبل لحظات.
جملة مكتوبة بالفحم
واحد منكم خرج من هنا قبل ما تدخلوا.
العجوز بصت للناس.
واحد
اتنين
تلاتة
ثم بدأت تعدّهم.
لكنها توقفت فجأة.
استنوا
محمود قال
إيه؟
العجوز بصت ناحية الممر وقالت بصوت مرتعش
إحنا نزلنا خمسة
ثم أشارت إلى الأرض.
كانت هناك ستة ظلال ظاهرة على الحائط.
والظل السادس
كان واقف خلف العجوز مباشرة الصوت اللي طلع من آخر الممر خلّى الكل يتجمد.
العجوز قربت من محمود
مين هناك؟
مفيش رد.
محمود رفع المصباح ومشى ناحية الصوت، والمختار وراه.
كل خطوة كانت بتعمل صدى غريب في السرداب.
لحد ما وصلوا لنهاية الممر
كان فيه حائط حجري مصمت.
مفيش باب.
مفيش حد.
لكن على الحائط كانت فيه جملة محفورة
اللي اختفى الأول هو اللي خبّى الحقيقة.
العجوز قربت من الكتابة، وفجأة لاحظت علامة صغيرة تحتها.
نفس العلامة اللي كانت على الأوتاد.
قالت
دي مش علامة جوزي
محمود بص لها
عارف.
أمال علامة مين؟
سكت محمود لحظات، وبعدين قال
علامة الشخص اللي كان بيساعده.
المختار قال بسرعة
مين؟
محمود لف له.
الشخص اللي أنقذني ليلة ما اختفيت.
المختار اتراجع خطوة.
إنت قلت إنك ما تعرفش مين أنقذك!
محمود رد
ما كنتش متأكد لحد دلوقتي.
وفجأة سمعوا صوت حجر بيتحرك.
طَق طَق
الحائط نفسه بدأ ينزلق ببطء.
ظهر خلفه تجويف صغير.
جواه صندوق معدني أسود.
محمود استخدم المفتاح الصغير وفتحه.
لكن بدل ما يلاقوا أوراق أو فلوس
لقوا دفتر أسماء.
العجوز أخذته وبدأت تقلب صفحاته.
أسماء كتير
وتواريخ
وملاحظات قصيرة جنب كل اسم.
وفجأة توقفت.
كان فيه اسم تعرفه جيدًا.
اسم شخص من أقرب الناس إليها.
وتحته مكتوب
تمت مراقبته ولم يعرف أنه مراقَب.
العجوز رفعت عينيها ببطء.
يعني الشخص ده كان بيتراقب؟
محمود قال
لأ
وقلب الصفحة.
كان هو اللي بيراقب.
المختار قرب من الدفتر، لكنه ما لحقش يقرأ.
لأن فجأة انطفأ المصباح.
وفي الظلام
سمعوا صوت خطوات تقترب منهم.
خطوة
ثم خطوة
ثم خطوة.
وبعدها صوت مفتاح بيلف في القفل من خلفهم.
العجوز همست
حد قفل علينا
محمود رد
مش حد.
أمال مين؟
جاءهم الصوت من خلف الباب
أنا الشخص اللي جوزك كان خايف منه.
ثم ساد الصمت.
وبعد ثوانٍ
بدأ الباب الحديدي يُفتح ببطء العجوز شهقت، ولفّت بسرعة.
ورايا مين؟!
محمود رفع المصباح ناحية الحيطة.
الظل السادس اختفى.
ثواني صمت مرعبة عدّت.
المختار قال بصوت مهزوز
يمكن انعكاس الضوء
لكن محمود ما اقتنعش.
قرب من الحيطة، وحط إيده عليها.
لأ ده مش انعكاس.
العجوز قالت
أمال إيه؟
محمود أشار للأرض.
بصوا.
كان فيه تراب طازج على البلاط، وآثار جزمة واحدة ماشية من ناحية الباب الحديد لحد المكان اللي كانت واقفة فيه العجوز.
وبعدها الآثار اختفت.
كأن صاحبها وقف مكانها واختفى.
المختار رجع للخلف.
لازم نطلع من هنا.
محمود مسكه من ذراعه.
إنت بالذات مش هتطلع.
سيبني!
مش قبل ما تقول الحقيقة.
المختار بص له بعصبية
حقيقة إيه؟
محمود قرب منه وقال
أبوك كان عارف بالسرداب ده.
المختار سكت.
العجوز قالت
وإنت عارف كمان.
فضل ساكت لحظات، وبعدين قال
أيوه كنت عارف.
الجميع اتصدم.
بس أنا ما كنتش عارف كل حاجة.
محمود سأله
أبوك كان بيخبي إيه هنا؟
المختار هز رأسه
قبل ما يموت بأيام، سلّمني مفتاح وقال لي لو محمود ظهر تاني، ما تديهولوش.
محمود اتجمد.
ظهر تاني؟
أيوه.
يعني أبوك كان عارف إني عايش؟
المختار بص للأرض.
كان عارف.
العجوز اقتربت منه
طب ليه ما قالليش؟
المختار رفع عينيه إليها وقال
لأنه كان خايف عليكِ.
سكتت.
ثم سألته
من مين؟
المختار ما ردش.
فجأة سمعوا صوت خبطتين من خلف الباب الحديد.
دق دق
وبعدهم خبطه ثالثة أقوى.
دق!
محمود بص للصندوق.
المفتاح القديم اللي جواه بدأ يتحرك لوحده.
ثم سقط من الصندوق مفتاح صغير
آخر، لم يكن موجودًا قبل دقائق.
وعليه ورقة مربوطة بخيط.
محمود فتحها.
قرأ أول سطر
وتغير وجهه.
العجوز سألته
مكتوب إيه؟
محمود رفع الورقة ببطء.
وكان مكتوبًا
المفتاح ده هيفتح المكان اللي دُفن فيه السر مش جوزك.
العجوز بصت له بصدمة.
يعني إيه؟
وقبل ما يجاوب
جاء صوت من آخر الممر
يعني إن جوزك ما كانش أول واحد يختفي
كان فيه واحد قبله الباب الحديدي اتفتح ببطء
والكل ثبت مكانه.
ظهر رجل واقف في الممر، ماسك فانوس قديم.
العجوز بصت له، وشهقت
عم صابر؟!
الرجل ابتسم ابتسامة غامضة.
أخيرًا عرفتي الحقيقة.
المختار رجع لورا وهو بيتمتم
مستحيل إنت مت من زمان!
عم صابر رد بهدوء
اللي مات من زمان كان اسمي بس.
محمود قرب منه
إنت اللي أنقذتني ليلة الحادث؟
عم صابر هز رأسه.
أيوه.
وإنت اللي خليت الناس تفتكر إني مت؟
كان لازم تختفي.
العجوز قاطعته
طب وجوزي؟ ليه خبّى كل ده عني؟
عم صابر سكت لحظة، ثم أخرج ظرفًا قديمًا من جيبه.
لأنه كان عارف إنك لو عرفتي الحقيقة كنتِ هتنزلي للمكان ده بنفسك.
العجوز أخذت الظرف.
كان عليه اسمها.
فتحت الرسالة، ولما بدأت تقرأ، تغيرت ملامحها.
دي كتابة جوزي
محمود قال
اقري بصوت عالي.
إيدها ارتعشت وهي بتقرأ
لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى عم صابر ظهر، ومحمود رجع، والباب اتفتح
سكتت.
ثم كملت
لكن لسه أهم حاجة ما اتقالتش.
محمود قرب منها.
إيه؟
قلبت الصفحة.
كان فيه سطر واحد فقط
الأوتاد اللي حطيتها فوق السطح مش كانت بتحميني من اللي تحت كانت بتحدد اليوم اللي لازم نفتحه فيه الباب.
الجميع بص لبعض.
المختار قال
يعني كل اللي حصل كان متخطط له؟
عم صابر رد
من أكتر من عشر سنين.
وفجأة سمعوا صوت جرس بعيد من ناحية القرية.
جرسة واحدة
ثم ثانية
ثم ثالثة.
عم صابر رفع عينيه للسقف.
بدأ.
محمود سأله
إيه اللي بدأ؟
عم صابر قال
الحاجة اللي جوزك كان بيحاول يمنعها طول السنين دي.
ثم أشار إلى نهاية الممر.
ولو ما خرجناش من هنا قبل الفجر
كل أهل القرية هيعرفوا السر عم صابر ما استناش حد يسأله، وجرى ناحية نهاية الممر.
بسرعة! لازم نخرج قبل ما الجرس الرابع يرن!
محمود مسك ذراعه
استنى! إيه اللي هيحصل؟
عم صابر بص له
مش وقت شرح. لو الجرس الرابع رن، الباب اللي فوق هيتقفل نهائي.
المختار صرخ
وإحنا هنخرج إزاي؟
عم صابر أشار للصندوق المعدني.
فيه مفتاح تاني دوروا عليه.
العجوز قلبت الدفتر بسرعة، ولقت ورقة صغيرة مخبّية بين الصفحات.
فتحتها.
كان مكتوب
المفتاح مش في الصندوق المفتاح في المكان اللي بدأت منه الحكاية.
العجوز رفعت رأسها فجأة.
السطح!
محمود فهم فورًا.
الأوتاد!
عم صابر قال
بالضبط.
لكن قبل ما يتحركوا، سمعوا الجرس.
دَن
الجرس الرابع بدأ.
محمود جرى ناحية الممر.
لازم نطلع!
وفجأة سمعوا صوت حجر بيقع خلفهم.
بصوا
كان الممر اللي دخلوا منه بدأ ينهار جزء منه.
المختار قال
هنفضل محبوسين!
العجوز، رغم سنها، مسكت مصباح عم صابر وقالت
لأ.
ثم بصت لمحمود
جوزي حط الأوتاد عشان اليوم ده.
محمود قال
تقصدي إيه؟
رفعت الورقة أمامه.
المكان اللي بدأت منه الحكاية مش البيت
ثم قلبت الورقة.
كان على ظهرها رسم صغير للسطح، وعليه وتد واحد متعلم عليه بعلامة حمراء.
قالت
الوتد ده هو المفتاح.
طلعوا من السرداب بصعوبة، وجروا ناحية السطح.
لكن أول ما وصلوا
وقفوا مكانهم.
كل الأوتاد اللي كانت العجوز حطاها طوال السنين اختفت.
ما عدا وتد واحد.
وكان تحته صندوق صغير.
محمود انحنى وفتحه.
جواه مفتاح نحاسي، ومعاه ورقة أخيرة.
فتحها.
وكان مكتوب فيها
لو وصلت للمفتاح يبقى الشخص اللي وثقت فيه طول عمرك هو اللي كان بيخفي عنك الحقيقة.
العجوز بصت لمحمود.
ثم للمختار.
ثم لعم صابر.
وفجأة قالت
أنا عرفت مين.
لكن قبل ما تقول الاسم
اتسمع صوت باب البيت بيتفتح من تحت.
وصوت شخص نادى من الدور الأرضي
يا حاجة أنا جيت أخيرًا.
العجوز اتجمدت.
لأن الصوت
كان صوت شخص كانت متأكدة إنه مات من سنين العجوز وقفت مكانها كأن رجليها اتثبتوا في الأرض.
الصوت اتكرر من تحت
يا حاجة انزلي. أنا مستنيكي.
محمود بص لها
مين؟
العجوز ما ردتش.
وشها كان بيقول إنها عرفت الصوت من أول كلمة.
عم صابر قرب منها وقال
مين اللي تحت؟
همست
أخو جوزي.
المختار شهق
بس هو مات من خمسة وعشرين سنة!
العجوز ردت
أيوه ودفناه بإيدي.
ساد صمت ثقيل.
ثم جاء صوت من السلم
لسه فاكرة يوم الدفنة يا حاجة؟
العجوز بدأت تتراجع.
محمود وقف قدامها.
محدش ينزل.
لكن الصوت ضحك
محمود إنت بالذات لازم تنزل.
محمود تجمد.
إنت عارفني؟
أنا اللي سلمتك الرسالة الأولى.
عم صابر بص لمحمود بدهشة.
أي رسالة؟
محمود سكت.
العجوز بصت له
إنت كنت بتقول إنك اختفيت عشان تحميني أمال إيه الرسالة اللي مخبيها؟
محمود أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا.
كنت خايف أقولك.
فتحت العجوز الظرف بسرعة.
كان بداخله مفتاح قديم وصورة لطفلين صغيرين واقفين أمام نفس البيت.
وتحت الصورة تاريخ قديم جدًا.
العجوز قربت الصورة من عينيها.
ثم شهقت
دول أنا وجوزي؟
محمود هز رأسه.
لأ.
أمال مين؟
قال بصوت منخفض
أخوه وأخته.
العجوز بصت للصورة مرة تانية، ثم رفعت عينيها ناحية السلم.
الصوت من تحت قال
دلوقتي فهمتي ليه الأوتاد كانت مهمة؟
محمود مسك المفتاح.
هو عايزنا نفتح إيه؟
جاء الرد
مش أنا اللي عايز أفتح الباب
ثم سمعوا صوت مفتاح بيدور في قفل باب البيت.
إنتوا اللي فتحتوه من زمان من غير ما تعرفوا.
وفجأة انطفأت أنوار البيت كلها.
وبعد لحظات
سمعوا صوت سقوط شيء ثقيل من فوق السطح.
محمود جرى ناحية المكان.
وكان الوتد الأخير
اتكسر لوحده الوتد وقع على الأرض بصوت خلّى الكل يسكت.
العجوز قربت منه، ولما انحنت ترفعه، لقت تحته حفرة صغيرة.
محمود قال
ابعدي!
حفر بإيده بسرعة، وطلع صندوق حديد صغير.
عم صابر أول ما شافه قال
ده هو
محمود بص له
إنت تعرفه؟
عم صابر ما ردش.
فتح محمود الصندوق بالمفتاح النحاسي.
جواه كانت فيه مجموعة أوراق قديمة، ومفتاح أكبر، وصورة متآكلة الأطراف.
العجوز مسكت الصورة.
كانت لزوجها واقف قدام البيت وبجانبه شخص آخر.
لكن الشخص ده كان طفلًا صغيرًا.
قالت
مين الولد ده؟
عم صابر اقترب، وبمجرد ما شاف الصورة، وشه اتغير.
دي الصورة اللي كان لازم تختفي من زمان.
المختار سأله
الولد ده مين؟
عم صابر بص للعجوز وقال
ابن أخو جوزك.
العجوز اتصدمت.
بس جوزي ماكانش له أخ عنده ابن!
عم صابر سكت.
ثم قال
كان له أخ وإنتِ طول عمرك فاكرة إنه مات من خمسة وعشرين سنة.
في اللحظة دي، صوت الرجل اللي تحت السلم رجع
مش كل اللي اتدفن مات.
العجوز قربت من السلم.
إنت مين؟!
جاء الرد
الشخص اللي كان المفروض يعرف الحقيقة من الأول.
محمود مسك إيدها
متنزليش.
لكنها سحبت إيدها.
لأ المرة دي أنا هنزل.
وبمجرد ما حطت رجلها على أول درجة
سمعوا صوت