رجعت من الغربة ومعايا شنطتين وقلبي مليان لهفة
رجعت من الغربة ومعايا شنطتين وقلبي مليان لهفة، بس لقيت فرح خطيبي في البيت اللي أنا دافعة تمنه! وحماتي قالت لي قدام الكل: افتكرناكي مش هترجعي!”
قضيت 3 سنين في الغربة، كنت بشتغل ورديتين، بنام بالعافية، وعايشة على “الأندومي” الساعة 2 بالليل في بلد محدش يعرف فيها اسمي ولا حد مهتم يعرفه. كل شهر، من غير تأخير، كنت ببعت الفلوس لمصر؛ عشان نوضب الشقة، ويشتري العربية، ويفتح المشروع اللي حلف لي إنه هيكون مستقبلنا.
ما اشتكتش..
ولا خنته..
ولا استسلمت..
فضلت وفية لراجل مكنتش بشوفه غير من شاشة الموبايل، وبيننا آلاف الكيلومترات.
قررت أرجع فجأة عشان أعمله مفاجأة.. ما قولتش لحد. كنت راجعة وبس، شايلة حب كبير، تعبان بس لسه زي ما هو. كنت ببتسم وأنا في التاكسي والجو حر، وأول ما دخلت شارعنا سمعت صوت مزيكا.. وشفت شوادر وفراشة ومعازيم لابسين شيك.. زفة وناس بتهيص.
في الأول قلت يمكن فرح حد من الجيران، أو قريب لنا.
بس فجأة شفته!
كان واقف هناك، لابس بدلة بيضا شيك، ووشه منور، وماسك إيد واحدة تانية.. كانت لابسة فستان فرح.
وقبل ما أستوعب اللي عيني شايفاه، لقيت أمه (حماتي) قربت مني وبصت لي في عيني وقالت بكل برود:
— “إحنا قلنا إنك مش هترجعي خلاص!”
الست اللي كانت واقفة على الباب بشنطتين وقلب مكسور.. كانت أنا: “ليلى”.
واللي حصل بعد كدة ميفهموش غير اللي كان عارف “ليلى” القديمة.
أنا مش من النوع اللي بيعمل فضايح، ولا اللي بتهار وتعيط قدام الناس عشان يصعب عليا حد.
أنا مش نية..
ولا ضعيفة..
والأهم من ده كله.. أنا مش غبية.
قبل ما أركب الطيارة وأنا راجعة، كنت مرتبة كل حاجة: اتكلمت مع محامي، ومع البنك، ومع نفسي.
لأن 3 سنين سكوت مش معناها 3 سنين عمى.
ما قلتش لحد إني راجعة، لا لأمي ولا لأختي، ولا حتى لصاحبتي “سارة” اللي متبلش في بوقها فولة.
خبيت رجوعي كأنه كنز خايفة يضيع مني.
تلات سنين في أمريكا.. بشتغل من 5 الصبح في مركز تأهيل، بلبس نفس اليونيفورم 6 أيام في الأسبوع، وببتسم لمرضى عمرهم ما سألوا أنا مين.
تلات سنين بحسب القرش والمليم، والتحويلات والعمولة، عشان الفلوس توصل “لمصطفى” في ميعادها كل شهر.
مش عشان الفلوس كانت فايضة عندي، لا والله..
عملت كدة عشان ده كان وعدي ليه، عشان كنت مصدقة إننا لبعض، وإن الغربة دي فترة وهتعدي.
بعتّ فلوس عشان نوضب الشقة: سيراميك جديد، دهانات، وحتى البوابة الحديد اللي كانت بتزيق.
بعتّ فلوس عشان يشتري العربية اللي قال إنه محتاجها للشغل.
بعتّ فلوس عشان يبدأ شركة شحن صغيرة.. اللي حلمنا بيها ليلة ما سافرت.
لسه فاكرة الليلة دي.. كنا قاعدين على طرف السرير، واللمبة السهارى منورة، وحط إيده على ركبتي وقال لي:
— “ثقي فيا يا ليلى، لما ترجعي كل حاجة هتتغير.”
وصدقته.. صدقته من كل قلبي.
بس اللي شفته النهاردة.. مكنش فيه “إحنا”.
كان فيه فرح.. وأنا الوحيدة اللي مكنتش معزومة.
ما عيطتش.. ما صرختش.. ولا عملت فضيحة.
بكل هدوء رميت مفاتيح الشنطة على الأرض، ورنتها خلت الكل يسكت ويبص لي.
وهو بص.. عينه جت في عيني.
لثانية واحدة شفت “مصطفى” اللي حبيته سنين، اللي كان بيوعدني بالمستحيل من ورا الشاشة ويقول لي “استنيني”.
بس الثانية دي ماتت بسرعة.. ملامحه اتغيرت.
ما شفتش حب.. ولا حتى ذنب.
شفت.. “خوف”.
المزيكا وقفت، والمعازيم بدأوا يوشوشوا، والعروسة بصت له وبعدين بصت لي وهي مش فاهمة حاجة.
مشيت خطوة بخطوة.. بهدوء.. وثبات.
زي حد خلص عياطه كله قبل ما يوصل.
قلت له: “أهلاً.”
صوتي ما تهرزش، وده صدمه أكتر من وجودي نفسه.
رد بلسان تقيل: “إنتي.. إيه اللي جابك هنا؟”
ابتسمت ببرود: “رجعت بيتي.”
حماتي اتدخلت وقفت بيني وبينه وقالت: “ده مش وقت مناسب، امشي دلوقت.”
بصيت لها وما خفتش منها زي زمان: “عندك حق، فعلاً مش هياخد وقت طويل.”
طلعت موبايلي.. مش عشان أكلم حد، ولا عشان أصوّر.
عشان أفتح حاجة كنت بجهزها في صمت بقالي 3 سنين.
قلت وأنا باصة للكل: “قبل ما أمشي، أعتقد فيه حاجات لازم تعرفوها.”
هو اتوتر وقال: “ليلى، بلاش تعملي كدة.”
رديت عليه بكل هدوء: “أعمل إيه؟ أقول الحقيقة؟”