كنتُ أستعد لتوثيق زواجي رسمياً حين أضاء هاتفي بإشعار بنكي بمبلغ مليون جنيه أهداها لي والدي
كمل
بنتي تضيع تلات سنين أحسن ما تضيع عمرها.
الجملة وقعت على الصالة كلها.
عمر رجع بصلي.
طب إنتي عايزة إيه؟
قلت
ولا حاجة.
إحنا خلاص انتهينا.
عينيه احمرت.
بالسهولة دي؟
ضحكت ضحكة قصيرة.
السهولة دي؟
إنت استنيت لحد يوم الجواز عشان تديني ورقة بتقوللي إني هشتغل وإنت تمسك فلوسي.
أدفع في بيت باسمك.
أخدمك.
أستأذنك عشان أساعد أهلي.
ولو اتطلقنا أخرج من غير حاجة.
ولو مت أبقى حتى بعد موتي ملكك.
بصيتله في عينه.
وإنت اللي بتسألني بالسهولة دي؟
ما ردش.
قام.
أخد نفس طويل.
وقال
هتندمي.
بابا ابتسم.
الجملة دي قديمة أوي يا ابني.
عمر بصله بحدة.
بابا قال
جرّب حاجة جديدة.
ماما بصت لبابا.
وأنا بالعافية منعت نفسي من الضحك.
عمر خرج.
وقفل الباب وراه بعنف.
وبعدها بأسبوع...
بدأت المفاجآت.
كنت قاعدة في الشغل، لما زميلتي نور قربت مني.
قالت
هو إنتي وعمر سيبتوا بعض؟
قلت
أيوه.
طب هو ليه بيقول إنك سيبتيه عشان لقيتي واحد أغنى؟
رفعت راسي ببطء.
نعم؟
فتحت موبايلها.
ورّتني ستوري نازل عند واحد من أصحابه.
كلام طويل.
مضمونه إن في بنات أول ما الفلوس تدخل حياتهم بيتغيروا.
وفي آخر الكلام
صاحبي اتعلم الدرس بالطريقة الصعبة.
اتجمدت.
عمر عرف.
عرف بالمليون.
قلت لنور
هو عرف منين؟
قالت
مش عارفة.
لكن أنا عرفت بعدها بساعتين.
لما ماما اتصلت.
ياسمين.
نعم؟
أبو عمر اتصل بأبوكي.
سكت.
وقاله إيه؟
سأله إذا كان صحيح إنه حولك مليون جنيه قبل الجواز.
ضميت شفايفي.
قلت
وبابا قاله إيه؟
ماما ضحكت.
قاله أيوه، وكنت هحول أكتر بعد الجواز.
فتحت عيني.
بابا قال كده؟
آه.
وبعدين؟
ماما قالت
أبو عمر سكت.
وبعدين سأله ليه بتسأل؟
ضحكت.
قاله أصل إحنا كنا هنبقى عيلة واحدة.
ضحكت أنا المرة دي.
قلت
ورد عليه بإيه؟
ماما سكتت ثانيتين.
ثم قالت
أبوكي قاله ما بقيناش.
وقفل.
الخبر انتشر بسرعة في عيلة عمر.
وبعدها بدأت المكالمات.
خالة عمر.
عمته.
حتى ابن خاله اللي ما شفتوش غير مرتين.
كلهم فجأة بقوا عايزين يصلحوا بينا.
أكتر جملة سمعتها في الأسبوع ده كانت
عمر عصبي شوية بس قلبه أبيض.
والجملة اللي بعدها
والفلوس مالهاش علاقة.
بس الغريب...
إن محدش حاول يصلح قبل ما يعرفوا بالمليون.
بعد عشرة أيام، حصل شيء ما توقعتوش.
أم عمر جاتلي الشغل.
لقيتها مستنياني تحت.
كانت لابسة نفس الجاكت الأسود القديم.
قلت
طنط؟
قالت
عندك خمس دقايق؟
دخلنا كافيه قريب.
أول ما قعدنا، طلعت من شنطتها ظرف.
حطته قدامي.
قلت
إيه ده؟
قالت
استقالتي.
اتصدمت.
استقالتك؟
قالت
أنا سبت الشغل.
قلت
ليه؟
ضحكت.
لكن ضحكتها كانت غريبة.
عشان أبدأ من جديد.
بصيتلها ومش فاهمة.
قالت
امبارح طلبت من جوزي فلوس أجيب دوا.
قالي استني أول الشهر.
قلتله معايا فلوس.
قالي فلوس مين؟
سكتت.
ثم قالت
وقتها فهمت حاجة.
هو بقاله 27 سنة شايف إن مافيش حاجة اسمها فلوسي.
كله فلوسه هو.
بصتلي.
أول مرة كلمتك، كنت فاكرة إني بنقذك.
لكن الحقيقة إنك إنتي اللي فوقتيني.
قربت الظرف مني.
فتحته.
مش استقالة.
كانت صورة عقد إيجار.
قلت
ده إيه؟
قالت
محل صغير.
هفتح فيه أكل بيتي.
فتحت بقي من المفاجأة.
قالت
أنا بعرف أطبخ كويس.
جدًا كمان.
ابتسمت.
طول عمري بطبخ للبيت.
المرة دي هطبخ لنفسي.
حسيت بحاجة سخنة في صدري.
سألتها
وأستاذ شريف؟
قالت
مش موافق.
ضحكت.
بس أول مرة في حياتي... ما طلبتش موافقته.
وفي اللحظة دي...
فهمت إن رفضي لجوازي من عمر ما أنقذنيش أنا بس.
كان أول حجر وقع في حيطة واقفة بقالها 27 سنة.
لكن الحكاية ماخلصتش.
لأن بعد شهر بالضبط...
وأنا خارجة من البنك بعد ما حطيت جزء من المليون في شهادة استثمار، وجزء تاني في حساب لتجهيز مشروع كنت بحلم بيه من زمان...
لقيت عمر واقف قدام عربيتي.
ماكانش لوحده.
كان معاه أبوه.
وأول ما شافني، قرب مني وقال
لازم نتكلم.
بصيت لأبوه.
وبعدين لعمر.
قلت
إحنا اتكلمنا.
أبو عمر دخل في الكلام.
المرة دي الموضوع مش جواز.
قلت
أمال إيه؟
بص عمر لأبوه.
وأبوه قال جملة ما توقعتش أسمعها أبدًا
أم عمر سابت البيت.
وقفت مكاني.
كمل
وقالت إنها مش هترجع.
عمر بصلي.
في عينيه كان فيه غضب وحيرة.
وقال
وكل ده بدأ بسببك.
بصيتله ثواني.
وبعدين فتحت باب عربيتي.
وقلت
لأ يا عمر.
كل ده بدأ لما كل واحدة فينا بطلت تسكت.
وركبت.
لكن قبل ما أقفل الباب...
أبو عمر قال
لو مراتي ما رجعتش...
لفيت له.
قال وهو بيضغط على كل كلمة
أنا مش هسيب الموضوع يعدي.
بصيتله بهدوء.
وقلت
يبقى لأول مرة في حياتك...
هتتعلم إن مش كل حاجة تقدر تتحكم فيها.
وقف مكانه.
وأنا قفلت الباب.
وشغلت العربية.
ومشيت.
وما كنتش أعرف وقتها...
إن اللي حصل في مكتب تسجيل الجواز ماكانش نهاية قصة.
كان بداية حرب كاملة.
عدّى أسبوع.
ولا أبو عمر ظهر.
ولا عمر كلمني.
ولا حتى أم عمر بعتتلي رسالة.
افتكرت إن الموضوع خلص.
لكن في يوم الخميس، وأنا في الشغل، لقيت رسالة من رقم أم عمر.
ممكن تيجيلي المحل؟
روحت بعد الشغل.
لقيت المحل مفتوح، لكن مافيش زباين.
هي كانت قاعدة جوه.
وشها متغير.
قدامها ورق كتير.
أول ما دخلت قالت
اقفلي الباب.
قفلت.
وقعدت قدامها.
قالت
شريف رفع عليا قضية.
اتصدمت.
قضية إيه؟
بيقول إني سرقت منه فلوس.
سكتت ثانية.
وبعدين ضحكت ضحكة مرة.
فلوسي أنا.
سحبت ورقة من قدامها وحطتها قدامي.
دي تحويلات مرتبي من 11 سنة.
كلها كانت بتنزل في حساب مشترك.
وهو بيقول إن كل اللي في الحساب ده ملكه.
بصيتلها.
ومحاميكي قال إيه؟
قالت
قال إن عندي مستندات كفاية.
وبعدين قربت مني وقالت
بس فيه مشكلة أكبر.
سكتت.
عمر واقف مع أبوه.
أنا ما اتفاجئتش.
يمكن كنت مستنية ده.
قالت
شهد إن أبوه هو اللي كان بيتحمل كل مصاريف البيت.
وإن مرتبي كان مساهمة اختيارية.
رفعت عيني لها.
وهو عارف الحقيقة؟
هزت راسها.
عارف جزء كبير منها.
قلت
وإنتي لسه مستغربة؟
سكتت.
بعدين قالت
كنت فاكرة إنه لما يشوف أبوه بيعمل فيا كده...
هيفهم.
رديت بهدوء
الفهم لوحده مش كفاية.
ساعات الواحد بيشوف الحقيقة ويدافع عن الكذبة، عشان لو اعترف، هيضطر يعترف إنه عاش عمره كله غلط.
كانت ساكتة.
وفجأة، باب المحل اتفتح.
دخل عمر.
واقف عند الباب.
وشه مرهق.
أول ما شافني، ملامحه اتغيرت.
قال
إنتي هنا؟
قلت
واضح.
أمه قامت.
إنت جاي تعمل إيه؟
رد
أتكلم معاكي.
قالت
اتكلم.
بصلي.
لوحدنا.
قلت
أنا ماشية.
لكن أم عمر مدت إيدها ومسكتني.
لأ.
وبصت له.
اللي عندك قوله قدامها.
عمر شد فكه.
وقعد.
سكت شوية.
وبعدين طلع ملف من تحت دراعه وحطه على الترابيزة.
قال
أنا سحبت شهادتي.
أمه بصتله بعدم فهم.
يعني إيه؟
قال
يعني كلمت المحامي وقلتله إن شهادتي اللي فاتت كانت ناقصة.
سكت.
وإن ماما كانت بتحول كل مرتبها للحساب.
أمه فضلت باصة له.
وهو كمل
وقلت إن بابا كان بيتحكم في المصروف.
وإنها كانت بتطلب منه فلوس لاحتياجاتها.
أنا ما اتكلمتش.
أمه قالت
ليه؟
عمر بص للأرض.
عشان كنت بكدب على نفسي.
سكت.
وبعدين قال
أنا شوفت كشف الحساب.
رفع عينه.
بابا كان بيحول فلوس لحسابه الخاص كل شهر.
وبيسيب في الحساب المشترك أقل مبلغ ممكن.
أمه بصتله.
قال
وكل مرة كنتي بتقوليلي إنك مش محتاجة حاجة، كنت فاكر إنك مبسوطة.
اكتشفت إنك كنتي مكسوفة تطلبي.
سكتت أمه.
وعينيها لمعت.
عمر كمل
ولقيت كمان تحويل قديم.
بص لها.
يوم عملية تيتة.
وشها اتغير.
إنت شوفت ده؟
هز راسه.
شوفت إنك كنتي طالبة مبلغ.
وإن بابا رجّع التحويل لحسابه تاني.
أمه نزلت عينها.
قال
وساعتها افتكرت إنك قلتيلي إن إخواتك ساعدوا.
سكت.
أنا كنت طفل.
بس دلوقتي مش طفل.
وبعدين لأول مرة بصلي مباشرة.
وأنا كنت هعمل فيكي نفس اللي هو عمله فيها.
المحل كله سكت.
قلت
أيوه.
ما حاولتش أخففها.
ولا قلتله يمكن لأ.
ولا أنت مختلف.
قلت الحقيقة.
أيوه، كنت هتعمل كده.
عمر هز راسه.
عارف.
أمه قعدت.
عمر كمل
الورقة دي أنا ما كتبتهاش.
لكن أنا وافقت عليها.
وحفظت كلام أبويا.
وكنت شايف إن السيطرة مسؤولية.
سكت.
ولما مشيتي، بدل ما أسأل نفسي أنا عملت إيه، اتضايقت إنك رفضتي تخضعي.
كلمة تخضعي خرجت منه بصعوبة.
قال
وحتى لما عرفت بالمليون، اتضايقت أكتر.
بصيتله.
ليه؟
قال
عشان حسيت إن فيه حاجة كبيرة كانت هتبقى في إيدك وأنا مش مسيطر عليها.
أمه قفلت عينيها.
وأنا حسيت إن آخر خيط كان بيربطني بالشخص القديم اللي كنت بحبه انقطع.
مش لأن عمر قال حاجة وحشة.
بالعكس.
لأنه أخيرًا قال الحقيقة.
قلت
كويس إنك عرفت.
بصلي.
كان واضح إنه مستني أكتر.
يمكن مستني فرصة.
يمكن مستني كلمة.
قال
أنا مش جاي أطلب منك ترجعي.
سكت.
رغم إني نفسي.
أمه بصتله.
وهو كمل
بس أنا عارف إني لو طلبت ده دلوقتي، هبقى لسه ما اتغيرتش.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
قلت
دي أول حاجة صح تقولها من فترة